هل إحسانُ اللهِ تعالى مَقصورٌ على عِبادِهِ المُحسِنين فحسب؟

قد يُسارِعُ البعضُ إلى الجزمِ بأنَّ إحسانَ اللهِ لن يطالَ من عبادِ الله إلا المُحسنين! وما ذلك إلا بسببٍ من قراءةٍ غيرِ متدبِّرةٍ لقَولِ اللهِ تعالى: (هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ) (60 الرحمن). فتدبُّرُ هذه الآيةِ الكريمةِ كفيلٌ بأن يُبيِّنَ لنا أنَّ اللهَ تعالى لم يجعل إحسانَه مشروطاً بإحسانِ العبد، بينما جعلَ جزاءَ إحسانِ العبدِ هو الإحسانُ من جانبِه.
فإحسانُ اللهِ تعالى لا يقتضي وجوبَ أن يكونَ العبدُ من المحسنين. ويتبيَّنُ لنا ذلك جلياً بتدبُّرِ ما جاءتنا به سورةُ القصَص من قصَصِ قارون الطاغية: (إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ. وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِين) (76- 77 القصص).
فاللهُ تعالى أحسنَ إلى قارونَ الطاغية على الرغم من أنه لم يكن من عبادِه المحسنين. وفي هذا ما فيه من تأديبٍ لعقولِنا التي تأبى إلا أن تفرضَ منطقَها وأحكامَها على كلِّ شيءٍ حتى وإن لم يكن اللهُ تعالى قد قدَّرَ لها ما يُمكِّنُها من إصدارِ “الأحكامِ المنطقيةِ” بشأنِه! فاللهُ تعالى إن شاءَ أحسنَ إلى مَن يشاءُ من عبادِه، والأمرُ ليس لنا حتى نُحكِّمَ في الأحداثِ عقولَنا. فالأمرُ لو كان لنا لفسدَت السمواتُ والأرضُ ومن فيهن: (وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ) (من 71 المؤمنون).

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s