في معنى قَولِ اللهِ تعالى لملائكتِهِ الكِرام “إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً”

تقتضي قراءةُ القرآنِ العظيم بتدبُّرٍ أن نُنَحِّيَ جانباً “أفكارَنا وتصوراتِنا” التي يَحولُ إصرارُنا على تحكيمِها في النَّصِّ القرآني دون جعلِنا نُفلِحُ في الوقوعِ على معناهُ الذي لم يُيسِّر اللهُ تعالى لأحدٍ أن يُحيطَ به إلا من بعدِ أن يقرأه قراءةً لا يُخالِطُها شيءٌ مما تُسيِّرُه الأهواءُ وتدفعُ به الأنفسُ!
ولقد أفضى هذا العجزُ من جانبِنا، عن إقصاءِ “أفكارِنا وتصوُّراتِنا” بعيداً عن تدبُّرِنا للنَّصِّ القرآني، إلى جعلِنا ننتهي إلى ما لا يتَّفقُ مع ما جاءنا به هذا النصُّ الكريم. ولنأخذ مثالاً على ذلك قولَ اللهِ تعالى لملائكتِه الكرام: “إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً” (من 30 البقرة). ولأنَّنا حكَّمنا “أفكارَنا وتصوراتِنا” في قَولِ اللهِ تعالى هذا، فلقد انتهى بنا الأمرُ بعدَها إلى ظنٍّ مفادُه أنَّ اللهَ تعالى قد جعلَ الإنسانَ خليفتَه في الأرضِ، وأنَّه فوَّضَه وأوكلَ إليهِ مسؤوليةَ إعمارها! وهذا وَهمٌ ما كان ليُمازجَ تدبُّرَنا لقولِ اللهِ تعالى هذا لولا أنَّنا حكَّمنا فيه ما تواضعنا عليه واصطلحنا من معنى لكلمةِ “خليفة”! ولو أنَّنا التزمنا بما يقتضيه منا تدبُّرُ النَّصِّ القرآني من تجرُّدٍ عن “أفكارِنا وتصوراتِنا”، لتبيَّنَ لنا أنَّ اللهَ تعالى إذ قالَ لملائكتِه الكرام “إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً”، فإنَّه إنما أخبرهم بأنَّه سيُبقي على أحدٍ لن يطالَه شيءٌ مما سيُنزِلُه من العذاب بساحةِ مَن كان يُفسِدُ في الأرضِ ويسفكُ الدماء. فالأمرُ لا علاقةَ له إذاً بخلافةِ الإنسانِ للهِ تعالى، ولا بعمارةِ الأرض، ولا بالتسيُّدِ على نباتِها وحيوانِها كما يتوهَّم أولئك الذين يُصِّرون على “تسييس” النصِّ القرآني لغرضٍ في قلوبِهم ليس بالعسيرِ تبيُّنُه وإرجاعُه إلى شديدِ عشقِهم للتباهي والتفاخرِ، وللتكاثرِ والتسيُّدِ والتسلُّطِ، وما إلى ذلك مما هو ذو صلةٍ بـ “طغيانِ الإنسان” الذي قالَ فيه اللهُ تعالى: (كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى) (6 العلق).

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s