في معنى قَولِ اللهِ تعالى “وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ” وقَولِهِ تعالى “وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا”

نقرأُ في سورةِ الإسراء، وفي الآية الكريمة 70 منها، قولَ اللهِ تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً).
يظنُّ كثيرٌ ممَّن يقرأون هذه الآيةَ الكريمة دون تدبُّرٍ أنَّها تنطوي على تِبيانٍ لعظيمِ قدرِ الإنسانِ، وبما يجعلُه أهلاً ليكونَ خليفةَ اللهِ في الأرض، وذلك في قراءةٍ تفتقرُ هي الأخرى إلى التدبُّرِ لقولِ اللهِ تعالى: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) (من 30 البقرة). فلو أنَّ القومَ تروَّوا وتمهَّلوا قليلاً وتريَّثوا قبل المسارعةِ إلى القطعِ والجزمِ بما لا دليلَ عليه ولا برهان مما وردَ في القرآن من آياتٍ كريمةٍ ذاتِ صلةٍ بخلقِ الإنسان، لما تجاسروا على اللهِ تعالى بزعمِهم هذا!
فقولُ اللهِ تعالى بأنه قد كرَّمَ بَني آدمَ وفضَّلهم على كثيرٍ ممن خلقَ تفضيلا، إنما يشيرُ إلى عظيمِ فضلِه عليهم إذ أنعمَ عليهم بما لم يُنعِم على أحدٍ غيرِهم من خَلقِه. فالإنسانُ قد كرَّمَه اللهُ تعالى فأنعمَ عليه من النِّعَمِ ما يتعذَّرُ إحصاؤه (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ) (من 34 إبراهيم). فتكريمُ اللهِ تعالى للإنسان إذاً لا يلزمُ عنه القولُ بأنَّه دليلٌ على أنَّ الإنسانَ أفضلُ من غيرِه من المخلوقات! فاللهُ تعالى فضَّلَ بَني إسرائيلَ على العالمين (وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ) (16 الجاثية)، فهل يعني هذا التفضيلُ أنَّ بَني إسرائيلَ هم أفضلُ العالمين؟ أم أنَّ التفضيلَ هنا إنما هو تذكيرٌ بما قُيِّضَ لهم أن يشهدوه بأُمِّ أعيُنِهم من آياتِ اللهِ الكبرى التي أنزلَها اللهُ تعالى تأييداً لسيدِنا موسى؟!
فاللهُ تعالى إذاً لم يُفضِّل بَني إسرائيلَ لخصائصَ فريدةٍ تمايزوا بها عن بَني آدم، وذلك كما يلزمُ بالضرورةِ إذا ما نحن قلنا بأنَّ تكريمَ اللهِ تعالى لبَني آدمَ، وتفضيلَهم على كثيرٍ ممن خلقَ تفضيلاً، يعني أنَّهم أفضلُ من كثيرٍ من خلقِ الله! ويؤيِّدُ هذا تفضيلُ اللهِ تعالى لبعضِ النبيين على بعض. فاللهُ تعالى إذ فضَّلَ بعضَ النبيين على بعض، فإنَّ ذلك لا يعني على الإطلاق أنَّه جعلَ بعضَ النبيين أفضلَ من بعض! فتفضيلُ اللهِ تعالى لبعضِ النبيين على بعض إنما يعني ما اختصَّ به بعضَهم من آياتٍ لم يؤتِها غيرَهم من أنبيائه. وهذا ما بوسعِنا أن نتبيَّنَه بتدبُّرِ الآياتِ الكريمةِ التالية: (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ) (من 253 البقرة)، (وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا) (من 55 الإسراء)، (وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ. وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِين) (15- 16 النمل).

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s