مِن تجلياتِ القانونِ الإلهي “وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ”… العالَمُ بعدَ سقوطِ برلين هو ليس العالَمَ بعدَ سقوطِ جدارِ برلين!

لو أنَّكَ سألتَ المؤرِّخينَ كلَّهم أجمعين أن يُوجِزوا لك في كلماتٍ قلائلَ خلاصةَ تاريخِ الإنسانِ على هذه الأرض، فهل تظنُّ أنَّ أياً منهم سيكونُ بمقدورِه أن يُلخِّصه كما وصفَه قرآنُ اللهِ العظيم بهذه الكلماتِ الكريمة: (وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ). فصفحاتُ التاريخِ ما هي إلا تجلياتٌ لهذا القانونِ الإلهي الذي ما قدَرناهُ حقَّ قدرِه إذ أعرضنا عما انطوى عليه من إيجازٍ بليغٍ وتلخيصٍ دقيقٍ لهذا الذي هو عليه الإنسانُ من شغفٍ بالحربِ وتطلُّعٍ إليها وإقبالٍ عليها، فآثرنا عوضَ ذلك ما جادت به علينا قرائحُ المؤرِّخين من أسبابٍ أوهمونا أنَّها تكفي للتعليلِ لهذه الحربِ أو تلك، وذلك حتى نبقى أبدَ الدهرِ أسرى تصوّراتِهم وخيالاتِهم التي جعلت “التاريخَ” أبعدَ ما يكونُ عن الاتِّصافِ بما ينبغي أن يكونَ عليه العلمُ الحقُّ القائمُ على الملاحظةِ المتجردةِ عن العصبيةِ والحكمِ على الأحداثِ دونما شنئانٍ ولا هوى!
وفي هذا المنشور سوف أتحدثُ عن حدثَين مفصلييَن في تاريخِ الإنسانِ على هذه الأرض وقع كلاهما إبانَ القرنِ الماضي. فبسقوطِ برلين، أواخرَ شهرِ نيسان (أبريل) 1945، بدأت تتشكلُ معالمُ “نظامٍ عالميٍّ جديد” ليس بالعسيرِ تبيُّنُ مَن كان الآمرَ الناهيَ فيه، ألا وهو النظامُ الذي فرضتهُ الامبراطوريةُ الأمريكية صناعةً لسوحِ معاركِه واضطراراً لأعدائهِ إلى خوضِ هذه المعاركِ ساخنةً حيناً وباردةً أحايينَ كثيرة!
غيرَ أنَّ اللهَ تعالى لم يكن ليجعلَ الأمورَ تبقى على حالِها دون أن يُسلِّطَ عليها قانونَه “وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ”، فكان أن شرعت الأحداثُ يتوالى حدوثُها، وبما حتَّمَ وجوبَ أن ينهارَ جدارُ برلين في التاسعِ من تشرين الثاني (نوفمبر) 1989؛ هذا الانهيارُ الذي يُخطئُ كلُّ مَن يقرأُه قراءةً تقصرُ نظرَها على “ظاهرِ الأمورِ” حتى وإن كان منها ما هو بقدرِ انهيارِ الامبراطوريةِ السوفيتية في 26 كانون الأول (ديسمبر) 1991!
فلو أنَّنا قرأنا المشهدَ كما ينبغي على مَن لا ينشغلُ بظواهرِ الأمورِ عن “بواطنِها”، لتبيَّنَ لنا، وبموجبِ القانونِ الإلهي “وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ”، أنَّ انهيارَ جدارِ برلين سينجمُ عنه يوماً ما لا محالة تصدُّعُ وانهيارُ النظامِ الذي فرضته الامبراطوريةُ الأمريكية على العالمِ منذ سقوطِ برلين في نيسان (أبريل) 1945! وما نعيشُه اليومَ من أحداثٍ، ذات صلةٍ بما جرى يومَ 24 شباط (فبراير) 2022، تُنبئُ بأنَّ الامبراطوريةَ الأمريكية لن تكونَ بمنأى عن أن يصيبَها ما سيجعلُ منها خاتمةَ المطافِ يؤولُ مصيرُها إلى ما آلت إليه الامبراطوريةُ السوفيتية!
فبسقوطِ جدارِ برلين عام 1989 أخذت الامبراطوريةُ الأمريكية بالتوسُّعِ شرقاً، وعِبرَ ذراعِها العسكري الأوروبي (حلف الناتو)، حتى أضحت على حدودِ المجالِ الحيوي للاتحادِ الروسي؛ هذا المجالُ الذي استشعرَت القيادةُ الروسية ما يُمثِّلُه من خطرٍ محدِقٍ بالأمنِ القومي لروسيا، فبادرت من فورِها إلى القيامِ بعمليةٍ استباقية أحبطت بها ما كان مُخطَّطاً له، وبذلك تمهَّدَ السبيلُ لقيامِ “عالَمٍ جديد”، من جديد، ما كان له أن يقومَ لولا سقوطُ جدارِ برلين!
ولذلك فلا عجبَ أن نرى الامبراطوريةَ الأمريكيةَ تسعى، وبكلِّ جهدها، لإلحاقِ الهزيمةِ بالاتحاد الروسي على الأرضِ الأوكرانية! فنصرُ روسيا في أوكرانيا هو مقدمةٌ لعصرٍ جديدٍ لن يكونَ بالتأكيد عصرَ الامبراطوريةِ الأمريكية!

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s