في دَحضِ وتفنيدِ فِريةِ القائلين بأنَّ إبليسَ والشيطانَ هما ليسا المخلوقَ ذاتَه

يتوهمُ كثيرٌ منا إذ يظنُّ بأنَّ الشيطانَ وإبليسَ هما ليسا المخلوقَ ذاتَه! وهذا ظنٌّ ما أوقعَ أصحابَه فيه إلا إصرارُهم على قراءةِ القرآنِ العظيم دون تدبُّرٍ لآياتِه الكريمة. فلو أنَّ القائلين بهذه الفِريةِ تدبَّروا الآياتِ الكريمةَ التي وردَ فيها ذكرُ “إبليس”، وتلك التي وردَ فيها ذكرُ “الشيطان”، لتبيَّنَ لهم أنَّ الأمرَ هو خلافُ ما يظنون ويتوهَّمون! فالقرآنُ العظيم يُنبئُنا بأنَّ إبليسَ والشيطانَ هما الكائنُ ذاتُه. فـ “إبليسُ” هو اسمُ الشيطانِ الرجيم، وذلك قبل أن يأبى الامتثالَ لأمرِ اللهِ تعالى للملائكةِ بأن يسجدوا لآدم. صحيحٌ أنَّ إبليسَ لم يكُن من الملائكة، وذلك لأنَّه كان من الجن (إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ ) (من 50 الكهف)، إلا أنَّه كان يتعبَّدُ معهم عند اللهِ تعالى في جنةِ المأوى؛ هذه الجنةُ التي أمرَه اللهُ تعالى بأن يخرجَ منها عقوبةً له على امتناعِه عن السجودِ لآدم.
والقرآنُ العظيم ينفردُ بهذا التصريحِ من جانبِه بأنَّ إبليسَ لم يكن من الملائكة، وذلك بالمقارنةِ مع كتابِ “العهدِ القديم” وكتابِ “العهدِ الجديد” اللذين يقولان في إبليس ما لا يقولُه القرآنُ العظيم فيه. فإبليسُ في هذين الكتابين كان “ملاكاً طُرِدَ من جنةِ عدن عقاباً له على عصيانِه لأمرِ الرب للملائكةِ بأن يسجدوا لآدم”. وهذا هو عينُ ما بوسعِنا أن نتبيَّنَه بتدبُّرِ الآيتَين الكريمتَين:
1- (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ) (50 الكهف).
2- (وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِين) (11 الأعراف).
ولقد أصبحَ اسمُ “إبليس” هو “الشيطان”، وذلك من بعدِ امتناعِه عن السجودِ لآدم. وهذا هو ما بوسعِنا أن نتبيَّنَه بتدبُّرِ كلِّ الآياتِ الكريمةِ التي حفظت لنا ما قام به إبليس (الشيطان) من تعرُّضٍ لآدمَ وزوجِه إغواءً لهما وإزاغةً انتهى الأمرُ بهما بعدها إلى أن يُخرَجا هما أيضاً من الجنة. فالآياتُ الكريمةُ التي تتحدثُ عن هذا الأمر وردَ فيها اسم “الشيطان” ولم يرِد فيها اسمُ “أبليس”، وذلك تذكيراً بخروجِه على أمرِ اللهِ القاضي بالسجودِ لآدم:
1- (وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ. فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ) (35- من 36 البقرة).
2- (فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ(20)وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ(21)فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ) (20- 22 الأعراف)،
3- (يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ) (من 27 الأعراف).
4- (فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى) (120 طه).
يتبيَّنُ لنا، وبتدبُّرِ ما تقدَّم، أنَّ الشيطانَ وإبليسَ هما المخلوقُ ذاتُه، وأنَّ التفريقَ بينهما هو في حقيقتِه خروجٌ على صريحِ نَصِّ القرآنِ العظيم الذي يكفينا أن نتدبَّرَ آيةً واحدةً منه حتى يتبيَّنَ لنا بطلانُ فِريةِ أولئك الذين يُصِرُّون على أن الشيطانَ وإبليس هما ليسا المخلوقَ ذاته. فنحنُ نقرأُ في سورةِ سبأ، وفي الآية الكريمة 20 منها، قولَه تعالى: (وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ). فإبليسُ هو الشيطانُ الرجيمُ ذاتُه الذي حفظَ لنا القرآنُ العظيم قولَه الواردَ في السياقِ القرآني التالي: (قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَأَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ. قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ. قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ. وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ. قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ. قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ. إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ. قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ. إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) (75- 83 ص).
وهذا الذي خلُصنا إليه، من حقيقةٍ مفادُها أنَّ الشيطانَ وإبليسَ هما المخلوقُ ذاتُه، هو عينُ ما بوسعِنا أن نتبيَّنَه بتدبُّرِ الآياتِ الكريمةِ التالية: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ. وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ. فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ) (34- من 36 البقرة). فإبليسُ الذي أبى أن يسجدَ لآدم هو ذاتُه الشيطانُ الذي حذَّرَ اللهُ تعالى آدمَ منه من بعدِ أن بيَّنَ له أنَّه عدوٌّ له ولزوجِه: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى. فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى. إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى. وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى. فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى) (116- 120 طه).

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s