التماثيلُ في القرآنِ العظيم

يظنُّ البعضُ أنَّ “التماثيلَ” قد حرَّمَها اللهُ تعالى، وذلك بدلالةٍ مما أنبأنا به القرآنُ العظيم بشأنِ ما آلَ إليه مصيرُ التماثيلِ التي كان يعبدُها قومُ سيدِنا إبراهيم مما بوسعِنا أن نتبيَّنَه بتدبُّرِ الآياتِ الكريمةِ التالية: (وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ. إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ. قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ. قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ. قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ. قَالَ بَل رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ. وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ. فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ) (51- 58 الأنبياء)، (فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ. مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ. فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ. فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ. قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ. وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ) (91- 96 الصافات).
غيرَ أنَّ تدبُّرَ هذه الآياتِ الكريمة يقتضي منا وجوبَ ألا ننسى موطناً آخرَ في قرآنِ اللهِ العظيم ذُكِرت فيه “التماثيلُ” في سياقٍ ذي صِلةٍ بتفصيلِ جانبٍ مما أنعمَ اللهُ تعالى به على سيدِنا سليمان: (وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ. يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ) (من 12- من 13 سبأ). فاللهُ تعالى سخَّرَ لسيدِنا سليمان من الجنِّ مَن كانوا يأتمرونَ بأمرِه بإذنِ الله، فكانوا يصنعونَ له عليه السلام ما يشاءُ من “التماثيل” التي لو أنَّها كانت مُحرَّمةً لما عدَّ اللهُ تعالى صُنعَ الجنِّ لها من عظيمِ فضلِه على سيدِنا سليمان.
إذاً فالأمرُ لا علاقة له بـ “التماثيل” بما هي عليه، ولكنه موصولٌ بما يريدُه الإنسانُ بها؛ فإن هو اتَّخذها آلهةَ من دونِ الله، أو مع الله، فهي محرَّمةٌ بالتمامِ والكلية. وإن هو ابتغى من ورائها ما يشاء فهي ليست محرمةً طالما لم يستعملها فيما لا يُرضي الله. فسيدُنا سليمان كان بمقدورِه أن يُوعِزَ إلى مَن كان في خدمته من مثَّالين ونحَّاتين من بَني آدم أن يصنعوا له ما يشاءُ من التماثيل، ولكنَّه أوكلَ الأمرَ إلى الجن وذلك لأنَّهم هم الأقدرُ على أن يصنعوا له عليه السلام تماثيلَ عملاقةً كان يُحسِنُ توظيفَها في دعوتِه ملوكَ عصرِه إلى اللهِ تعالى وذلك عندما كان يستقبلهم في قصرِه ويجولُ بهم على قاعاتِه المَهيبة ليشهدوا بأعيُنِهم جانباً من عظيمِ فضلِ اللهِ تعالى عليه مما لا قدرةَ لهم على التعليلِ له بما كان بين أيديهم من علمٍ بفَنِّ النحتِ وصناعةِ التماثيل. ويكفينا في هذا السياق أن نستذكرَ ما كان من أمرِ ملكةِ سبأ مع سيدِنا سليمان إذ أشهرت على الملأِ إسلامَها لله رب العالمين معه عليه السلام: (قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (44 سبأ).

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s