لماذا انهارَ الاتحادُ السوفيتي؟

الإسلامُ دينٌ يتعهَّدُ مَن يتديَّنُ به التديُّنَ الحَق بألا يكونَ من أولئك الذين لا يعقلون! فالإنسانُ ميَّالٌ، بطبعِه وتطبُّعِه، إلى أن يخوضَ في الأمورِ خَوضَ المُتعجِّلين دونما تبيُّنٍ للفواعلِ والعواملِ التي لابد من أن تُستقصى قبل أن يُسارعَ المرءُ إلى إطلاقِ الأحكامِ جُزافاً بلا تروٍّ ولا تبصُّر. ولذلك اشتملَ القرآنُ العظيم على العديدِ من الآياتِ الكريمةِ التي لو أنَّ الإنسانَ تدبَّرَها لقيَّضَ اللهُ تعالى له ما يُمكِّنُه من ألا يُحكِّمَ عقلَه فيما ليس له به علمٌ، وألاَّ يعجَلَ برأيٍ قبلَ أن يستوفِيَ كلَّ ما يتطلَّبُه الأمرُ حتى يُصبِحَ أهلاً لأن يُصدِرَ أحكاماً صائبةً بشأنِ وقائعِ الدنيا وأحداثِها:
1- (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) (46 الحج).
2- (وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ) (43 العنكبوت).
3- (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ) (37 ق).
4- (وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ) (105 يوسف).
5- (وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ) (80 المؤمنون).
6- (وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ) (من 103 المائدة).
ولقد نهى الإسلامُ مَن يتديَّنُ به التديُّنَ الحق عن اتِّباعِ الظنِّ والاحتكامِ إليه، وذلك حتى لا يصدرَ عنه من القولِ إلا سديدُه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا) (70 الأحزاب). فاتِّباعُ الظنِّ لا ينجمُ عنه إلا ولوغٌ في الباطلِ ونأيٌ عن الحقِّ الذي لو اتَّبعَ أهواءَ المحتكمين إلى الهوى لفسدت السمواتُ والأرضُ ومن فيهن: (وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ) (من 70 المؤمنون).
ولذلك أوجبَ الإسلامُ على مَن يتديَّنُ به التديُّنَ الحق أن ينأى بنفسِه عن الظن وألا يحتكمَ إلى الهوى: (إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا) (من 28 النجم)، (مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ) (من 158 النساء)، (إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ) (من 23 النجم).
والآن، ومن بعدِ استذكارِ ما كان ينبغي أن يحولَ دون أن يتصدَّى للإجابةِ على السؤال “لماذا انهار الاتحاد السوفيتي؟” إلا مَن حكَّمَ في الأمرِ عقلَه، وذلك من بعدِ تقصِّي كلِّ ما من شأنِه أن يُعينَ على أن تجيءَ الإجابةُ أدنى إلى الصوابِ وأقرب، فإنَّ في تذكُّرِ ما صدرَ عن كثيرٍ من الناسِ من “إجاباتٍ” على هذا السؤالِ ما يكفي الحصيفَ اللبيبَ حتى يستيقنَ من أنَّه لَمن اليسيرِ على المرءِ أن يُطلقَ الأحكامَ دونَ بينةٍ أو برهان!
فالاتحادُ السوفيتي لم يسقط لأنَّه لم يكن ذا عقيدةٍ متديِّنة، وذلك كما يزعمُ كلُّ مَن هلَّلَ حينها لسقوطه ممَّن ظنوا وتوهَّموا أنَّهم “المؤمنون بالله حقاً”! كما أن الاتحاد السوفيتي لم يسقط لأن نظريتَه الاقتصادية أخفقت لأنها أقصت وأبعدت الرأسمالية من حساباتِها، وذلك كما يظنُّ المنبهرون بالغرب الليبرالي الديمقراطي! فالاتحاد السوفيتي سقطَ، وبكلِّ بساطة، لأنَّه لم يكن يحكمُه حينَها قائدٌ شجاع لا يخشى الأهوالَ إذا ما خُيِّرَ بين أن يُجنَّبها إذا ما أذعنَ لعدوِّ وطنِه وبين أن يُضطرَّ إلى مواجهتِها إذا ما آثرَ حبَّه لوطنه على خيانتِه له! وعلى مَن يُشكِّكُ ويقدحُ في هذه الإجابة أن يُجيبَ على السؤال التالي: “هل كان الاتحادُ السوفيتي لينهارَ لو أنَّ بوتين هو مَن كان يحكمُه حينها وليس غورباتشوف؟”.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s