في معنى قَولِهِ تعالى “وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ”

أمرَ اللهُ تعالى الذين آمنوا بأن يقوموا له قانتين: (وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ) (من 238 البقرة). فكيف نقومُ للهِ قانتين، وذلك استجابةً منا لأمرِ اللهِ تعالى هذا؟
يُعينُ على الإجابةِ على هذا السؤال أن نستذكرَ ما فصَّلته لنا، وبيَّنته، الآيةُ الكريمة 20 من سورة المزمِّل بشأنِ ما كان يواظبُ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم والذين معه على القيامِ به من عباداتٍ اصطُلِحَ على تسميتِها بـ “قيامِ الليل”: (إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيم).
فرسولُ اللهِ صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم كان يقومُ الليلَ قياماً تذكِّرُنا به الآيات الكريمة 217- 219 من سورة الشعراء: (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ. الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ. وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ). إذ كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم يحرصُ على أن يقضيَ جُلَّ ليلِه قائماً وساجداً للهِ تعالى، وذلك امتثالاً منه صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم لقولِه تعالى: (أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ) (9 الزمر).
وحِرصُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم على “قيامِ الليل” تشهدُ له به الآيةُ الكريمة 108 من سورةِ التوبة: (لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ).
و”قيامُ الليل” عبادةٌ واظبَ على القيامِ بها أنبياءُ اللهِ وأولياؤه الصالحون. ولقد حفظ لنا القرآنُ العظيم ما كان من أمرِ سيدِنا زكريا من حرصٍ على أن يقومَ ليلَه يُصلي للهِ تعالى في محرابِ بيتِ المقدس: (فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ) (من 39 آل عمران).
ولقد امتدحَ اللهُ تعالى عبادَه الذين سمَّاهم “أُولي الألباب”، ووصفَ حالَهم معه بهذا الذي كانوا عليه من مواظبةٍ على ذكرِه قياماً وقعوداً وعلى جنوبِهم: (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ) (من 191 آل عمران). فأُولوا الألبابِ هم عبادُ اللهِ الذين حرصوا على الامتثالِ لأمرِ اللهِ تعالى للذين آمنوا: (فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ) (من 103 النساء).
يتبيَّنُ لنا إذاً، وبتدبُّرِ ما تقدَّم، ألا سبيلَ لأن نُحيطَ بمعنى قولِه تعالى “وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ” إلا بأن نستذكرَ ما كان عليه رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم والذين معه من حرصٍ على “قيامِ الليل” عبادةً للهِ تعالى خالصةً لوجهِه الكريم. ولقد حدَّدَ اللهُ تعالى شرائطَ هذه العبادةِ الجليلة فأوجزَها بتبيانِ الكيفيةِ التي يتعيَّنُ على مَن يرومُ أن يتعبَّدَ له بها، وذلك بقولِه “وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ”. و”القنوتُ” هنا يعني أن ينقطعَ العبدُ إلى اللهِ فيقطعَ صِلتَه بمَن سواه، وذلك بأن يحرصَ، الحرصَ كلَه، على ألا يخالِطَ تعبُّدَه لله شيءٌ مما يشغلُ بالَ وقلبَ مَن دأبُهم الانشغالُ عن اللهِ بسواه.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s