ما الذي قصدَ إليهِ الملائكةُ إذ قالوا للَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا: “نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ”؟

نقرأُ في سورةِ فُصِّلت، وفي الآيتَين الكريمتَين 30- 31 منها، قولَه تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ. نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ). فما الذي قصد إليه الملائكةُ إذ قالوا للذين قالوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا: “نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ”؟
يُعينُ على الإجابةِ على هذا السؤال أن نستذكرَ ما ذكرَه اللهُ تعالى في قرآنِه العظيم من عظيم فضلِه على أوليائه وعبادِه الصالحين: (أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) (62 يونس)، (إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ) (196 الأعراف). فأولياءُ اللهِ وعبادُه الصالحون قد كفلَ اللهُ لهم أن يحظَوا بتأييده وموالاتِه في الدنيا وفي الآخرة. ومن بين تجلياتِ تأييدِ اللهِ وموالاتِه لأوليائه وعبادِه الصالحين، في هذه الحياةِ الدنيا، أن جعلَ ملائكتَه الكرام أولياءَ لهم ينصرونهم ويحفظونهم من كلِّ سوء. فحضورُ الملائكةِ في حياةِ أولياءِ اللهِ وعبادِه الصالحين هو العلةُ من وراءِ ما تحفلُ به حياتُهم هذه من عجيبِ الأمورِ وغريبِها مما لا قدرةَ لعقولِنا على أن تُعلِّلَ له وفقاً لما قُيِّضَ لها أن تُحيطَ به من أسبابٍ تكفيها لتُعلِّلَ بها لوقائعِ الدنيا وأحداثِها. فأنَّى لعقولِنا أن تتمكنَ من التعليلِ لما كان سيدُنا زكريا يجِدُه عند السيدة مريم من رزقٍ لم يسبق له وأن رآهُ من قبل؟ (كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) (من 37 آل عمران).
إنَّ كثيراً مما يكتنفُ حياةَ أولياءِ اللهِ وعبادِه الصالحين “من عجيبِ الأمورِ وغريبها” لا يمكنُ لنا أن نُعلِّلَ له دون أن نستحضرَ تأييدَ اللهِ تعالى لهم بملائكتِه الكرام. فحضورُ ملائكةِ اللهِ الكرام في حياةِ أولياءِ اللهِ وعبادِه الصالحين هو الذي يجعلُها “مَلأى” بكلِّ ما من شأنِه أن يجعلَها تتمايزُ عن حياةِ غيرِهم من الناس من الذين ينصتون لما تأمرُهم به النفسُ ويُزيِّنُه لهم الهوى، فارتضوا بذلك ألا يُخالِفوها فكان حقاً على اللهِ تعالى أن يجعلَ حياتَهم لا تحتاجُ من أسبابٍ لتفسيرِ ما يحدثُ فيها غيرَ ما قُيِّضَ للعقلِ أن يُحيطَ به من العلم! (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) (13 الأحقاف)، (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ) (21 الجاثية).
فالملائكةُ إذاً هم أولياءُ عبادِ اللهِ الصالحين وأوليائه في هذه الحياةِ الدنيا، وذلك بشهادةِ ما يحدثُ لهم فيها من عجيبِ الأمورِ وغريبِها مما لا قدرةَ للعقلِ على أن يُعلِّلَ له. والملائكةُ أيضاً هم أولياءُ عبادِ اللهِ الصالحين وأوليائه في الآخرة، وذلك كما أنبأنا اللهُ تعالى به في قرآنِه العظيم من أنباءِ ما سيحدثُ يومَ القيامةِ مما هو ذو صلةٍ بهذه “العلاقة” المتميزة التي أنشأها اللهُ تعالى بين ملائكتِه وأوليائه وعبادِه الصالحين. ومن بين ما أنبأنا اللهُ تعالى به من مفرداتِ هذه “العلاقة” في الآخرة ما بوسعنا أن نتبيَّنَه بتدبُّرِ الآياتِ الكريمةِ التالية:
1- (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ. لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ. لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ) (101- 103 الأنبياء).
٢- (وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ) (73 الزُّمَر).
ويكفينا ختامَ هذا المنشورِ أن نستذكرَ قولَ سيدِنا يوسف عليه السلام في دعائِه اللهَ تعالى: (أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) (101 يوسف). فاللهُ تعالى هو ولي سيدِنا يوسف في الدنيا والآخرة. وهذه حقيقةٌ شهِدَها سيدُنا يوسف بأُمِّ عينَيه وهو يسترجِعُ ما حدثَ له في حياتِه وما كان له أن يحظى به من عظيمِ فضلِ اللهِ تعالى إذ جعلَ الملائكةَ أولياءَه أينما حلَّ وارتحل. فسيدُنا يوسف أدركَ بأنَّ اللهَ الذي أيَّدَه بنصرِه وحفظِه وتمكينِه، وبملائكتِه، في هذه الحياةِ الدنيا، لابد وأن يؤيِّدَه في الآخرة بحفظِه وسترِه وملائكتِه.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s