تعدَّدت التفاسيرُ والمعنى واحدُ!

يظنُّ كثيرٌ منا ألا ضيرَ هنالك في أن تتعدَّدَ تفاسيرُ القرآنِ العظيم، وأن يُعارِضَ بعضُها بعضاً، وذلك طالما كان في ذلك ما يُمكِّنُنا من الإحاطةِ بكلِّ ما قُدِّرَ لآياتِه الكريمة أن تشتملَ عليه من معنى! وهذا ظنٌّ فاسدٌ يكفي للدلالةِ على فسادِه وبطلانِه أن نستذكرَ الحقيقةَ القرآنيةَ التي ينطوي عليها قولُ اللهِ تعالى (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) (82 النساء). فهذه الآيةُ الكريمة تُبيِّنُ لكلِّ مَن يتدبَّرُها أنَّ القرآنَ لا اختلافَ فيه، وأنَّ انتفاءَ وجودِ أيِّ اختلافٍ في هذا القرآن هو دليلٌ على أنَّه لا يمكنُ أن يكونَ من عندِ غيرِ الله. فكيف يُريدُنا البعضُ إذاً أن نَرتضِيَ بأن يكونَ للقرآنِ تفاسيرٌ متعددةٌ لها أن تتنوَّعَ حتى وإن عارضَ بعضُها بعضاً؟!
إنَّ تعدُّدَ تفاسيرِ القرآنِ العظيم أمرٌ لا ضيرَ فيه طالما كانت هذه التفاسيرُ لا يُعارضُ بعضُها بعضاً ولا يُناقِضُ بعضُها الآخر. فإذا كان القرآنُ “لا اختلافَ فيه”، فكيف يكونُ لتفاسيرِه أن يُخالفَ بعضُها الآخر وأن يختلفَ بعضُها مع بعض؟! وفي هذا المنشور سوف أضربُ مثالاً يتبيَّنُ لكلِّ مَن يتدبَّرُه بطلانُ وفسادُ الزعمِ القائلِ بأنَّ لتفاسيرِ القرآنِ العظيم أن يُعارضَ بعضُها بعضاً.
فاللهُ تعالى يخبرُنا في قرآنِه العظيم بأنَّه قالَ لآدمَ وزوجِه بأن يسكنا الجنةَ التي أباحَ لهما أن يأكلا من ثمارِها كلِّها جميعاً خلا شجرةً بِعينِها شخَّصَها لهما وعرَّفهما بها: (وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ) (19 الأعراف). ولقد تعدَّدت آراءُ المفسرين بشأنِ هذه الجنةِ، فمن قائل بأنَّها جنةٌ في السماء، ومن قائل بأنَّها جنةٌ على هذه الأرض! كما وانقسمَ المفسرون أيضاً بشأنِ هذه الجنة، هل هي جنةُ الآخرة أم هي جنةٌ من جناتِ هذه الحياةِ الدنيا؟!
فكيف يُعقَلُ أن تتعدَّدَ الآراءُ بشأنِ هذه الجنةِ حدَّ التعارُضِ فيما بينها؟! فتعدُّدُ الآراءِ بهذا الشأن ليس فيه ما يُعينُ على استجلاءِ وتبيُّنِ جوانبَ متعددةٍ تخصُّ هذه الجنة! فكيف يُعقَلُ أن يصلَ الاختلافُ إلى هذه الدرجةِ التي تكونُ فيها هذه الجنةُ هي في ذاتِ الوقت في السماءِ وفي الأرض، وفي هذه الحياةِ الدنيا وفي الآخرة؟! إنَّ تعدُّدَ التفاسير لا ينبغي أن يُفضِيَ بنا إلى ما يجعلُنا نزدادُ حَيرةً وجهالة!
يتبيَّنُ لنا، وبتدبُّرِ هذا المثال، أنَّ تعدُّدَ تفاسيرِ القرآنِ العظيم أمرٌ جائزٌ شريطةَ ألا تتعارضَ هذه التفاسيرُ فيما بينها، فإن تعارضت فإنَّ في تعارضِها مدعاةً لنا حتى نبذلَ مزيداً من الجهدِ في سعيِنا للوصولِ إلى تفسيرٍ إن تعدَّدت أوجُهُه، فلا ينبغي أن يُعارضَ واحدُها الآخر.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s