لماذا ليس بمقدورِ العلم أن يُعلِّلَ لعدوانيةِ الإنسان؟

لعل أكثرَ ما يتمايزُ به الإنسانُ عن صنوفِ الحيوانِ كلِّها جميعاً هو هذا الذي هو عليه من عدوانيةٍ مفرطة لا نظيرَ لها في عالم الحيوان! فالإنسانُ، وعلى مدى تاريخِه المكتوب، قد قامَ بكلِّ ما بوسعِه حتى لا يدَعَ لأحدٍ حجةً يدافعُ بها عن عدوانيتِه “غيرِ الطبيعية” فينتحلَ لها الأسبابَ الموجبةَ والأعذار! وكلُّ مَن كانت له درايةٌ، ولو بنزرٍ يسير، بالتاريخِ الإنساني المكتوب، لا يملكُ غيرَ أن يعجبَ لكلِّ هذا العنف الذي تشهدُ له صفحاتُ هذا التاريخ التي سُطِرَت بمِدادٍ من الدم! وتُخفِقُ كلُّ محاولةٍ للتعليلِ لهذا العنف، وإن استعانت على ذلك بما بين أيدينا من أسبابٍ نفسيةٍ أو اجتماعيةٍ أو اقتصاديةٍ أو سياسية، أو غيرِ ذلك! فكلُّ هذه الأسبابِ ليس بمقدورِها أن تُعينَ المتدبِّرَ في حالِ الإنسانِ على فهمِ هذا الذي يدفعُ به إلى التولُّعِ بالحروبِ بكلِّ ما تشتملُ عليه من إفسادٍ في الأرضِ وسفكٍ للدماء!
وإن نحن التجأنا إلى العلم نسألُه أن يُعلِّلَ لهذا “العنفِ المفرِط” الذي يتميزُ به الإنسان، فلن نحظى بما يشفي الغليل! فالعلمُ يقولُ لنا إنَّ الإنسانَ “ذو ماضٍ حيواني”، وإنَّ هذا الماضي يكفي للتعليلِ لكلِّ فعالياتِ الإنسان ومنها إفراطُه في العدوان! فإن أنت اعترضتَ فقلتَ بألا أصلَ حيوانياً لعدوانِ الإنسان، واستشهدتَ على ذلك بأن ليس هنالك في عالم الحيوان عنفٌ يماثلُ ما نجدُه من عنفٍ في عالَمِ الإنسان، انبرى لك عندها أولئك الذين اتخذوا العلمَ إلهاً من دونِ اللهِ تعالى، معترضين بأنك إنما تخالفُ ما أثبتَه العلمُ من “حيوانيةِ الأصلِ الذي انبثقَ عنه الإنسان”!
وهكذا يتبيَّنُ لنا أنَّ المنبهرين بالعلمِ لا يملكونَ حجةً تؤيِّدُ زعمَهم بأنَّ بمقدورِ الأصلِ الحيواني للإنسان أن يُعلِّلَ لكلِّ فعاليات الإنسان ومنها “إفراطُه غيرُ الطبيعي” في العدوان! وهذا إن دلَّ فإنما يدلُّ على أنَّ افتقارَ العلمِ لما يُعينُه على أن يُعلِّلَ للعدوانِ غيرِ الطبيعي عند الإنسان قد جعلَه يستعينُ بما هو ليس بعلمي! فادعاءُ العلم بأنَّ الأصلَ الحيواني للإنسان كافٍ ليُعلِّلَ لعدوانيته المفرطة هو “زعمٌ فلسفي” لا يمتُّ بأيِّ صلةٍ لمنهجيةِ العلم التي تقومُ على أساسٍ من الملاحظةِ والتجربة! وبذلك يتبيَّنُ لنا أنَّ العلمَ قد تخلَّى عن منهجيتِه هذه، وذلك حتى لا يُضطرَّ إلى القولِ بما يقولُ به القرآنُ في معرضِ تبيانِه للعلةِ من وراءِ العدوان غيرِ الطبيعي عند الإنسان: (وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ) (من 36 البقرة).

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s