لماذا لا يوجد أيُّ تعارُضٍ بين قَولِهِ تعالى “إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً” وَقَولِهِ تعالى “يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ”؟

يبرهنُ المُشكِّكون في إلهيةِ القرآنِ العظيم على أنَّهم غيرُ متجرِّدين من الأغراضِ والأهواء، وذلك بهذا الزعمِ من جانبِهم بأنَّ هناك تعارضاً بين قوله تعالى “إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً” وقوله تعالى “يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ”! فلو أنَّ هؤلاءِ المشككين تدبَّروا آياتِ قرآنِ اللهِ العظيم التي فصَّلت قَصَصَ آدم لتبيَّنَ لهم ألا تعارضَ هنالك على الإطلاق بين هذين القولَين الكريمَين!
فاللهُ تعالى بدأ خلقَ الإنسانِ من طينِ هذه الأرضِ (وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ) (من 7 السجدة). ثم أنَّ اللهَ تعالى جعلَ هذا الإنسانَ في الأرضِ خليفةً يخلفُ مَن سبقَه من مخلوقاتٍ أفسدت في الأرضِ وسفكت الدماء (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ) (من 30 البقرة). حيث اقتضى الأمرُ أن يُصارَ إلى إبادةِ تلك المخلوقاتِ التي عاثت في الأرضِ فساداً فكان حقاً على اللهِ تعالى أن يُرسِلَ عليهم ملائكتَه ليُنزِلوا بساحتِهم عذابَه الذي أبادهم عن بكرةِ أبيهم فلم يبقَ بعدها على الأرضِ منهم باقية.
ولقد تعيَّنَ على آدمَ، الذي جعلَه اللهُ تعالى في الأرضِ خليفةً من بعدِ مَن كان يُفسِدُ فيها ويسفكُ الدماء، أن يغادرَ الأرضَ إلى حين، وذلك ريثما يتمُّ تطهيرُها من كلِّ أولئك المفسدين. وهكذا فلقد عُرِجَ بآدمَ إلى الجنة: (وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ) (35 البقرة).
ثم حدث ما حدث في الجنة من عصيانِ آدمَ للهِ تعالى، بأكلِه من الشجرةِ التي نهاهُ اللهُ تعالى عنها، فتحتَّمَ عليه أن يعودَ إلى الأرضِ ثانية لتبتدئَ ملحمةُ التواجدِ الإنساني فيها تصارعاً بين بَني آدم، وذلك وفقاً لما قضى به أمرُ اللهِ تعالى: (فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ) (36 البقرة).
يتبيَّنُ لنا، وبتدبُّرِ ما تقدَّم، أنَّ القائلين بوجودِ تعارضٍ بين قوله تعالى “إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً” وقوله تعالى “يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ” قد فاتهم أن يتدبَّروا كلَّ ما جاءنا به قرآنُ اللهِ العظيم من أنباءِ آدمَ وزوجِه! فلو أنَّ هؤلاءِ المغرضين تعاملوا مع النَّص القرآني الكريم كما ينبغي، لتبيَّنَ لهم ألا اختلافَ هنالك على الإطلاق في قصَصِ آدمَ كما أنبأنا بها هذا القرآن (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) (82 النساء).

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s