مَن بمقدورِهِ أن يَقدِرَ اللهَ تعالى حقَّ قدرِه؟

وصفَ القرآنُ العظيم الذين كفروا بأنهم “مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ” (من 74 الحج). وهذا التوصيفُ القرآني عامٌّ في حقِّ الذين كفروا في كلِّ زمانٍ. فالذين كفروا “مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ” في هذه الحياةِ الدنيا، وذلك كما يتبيَّنُ لنا بتدبُّرِ قولِ اللهِ تعالى (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ) (من 67 الزُّمَر).
ولكن، إذا كان الذين كفروا “مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ”، فهل بمقدورِ أحدٍ من خَلقِ الله أن يقدِرَ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ؟
يُعينُ على الإجابةِ بالنفي القاطع على هذا السؤال أن نستذكرَ الحقيقةَ القرآنيةَ التي مفادُها أنَّ كلَّ ما في الوجودِ يُسبِّحُ لله تعالى: (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ) (من 44 الأسراء). والملائكةُ هم أيضاً يُسبِّحونَ لله تعالى: (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ) (من 7 غافر)، (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ) (من ٣٠ البقرة). فتسبيحُ المخلوقاتِ هو في حقيقتِه إقرارٌ منها بعجزها عن أن تقدِرَ اللهَ تعالى حقَّ قدره. ويشذُّ الذين كفروا عن هذا الإجماع، إذ أنَّهم إذ لا يُسبِّحونَ اللهَ تعالى، بهذا المعنى، فإنهم بذلك إنما يكونون “مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ”.
فاللهُ تعالى يأخذُ على الذين كفروا هذا الإعراضَ من جانبِهم عن التسبيحِ له، فلو أنَّهم سبَّحوا لله لكانوا بهذا التسبيح قد قدَروا اللهَ حقَّ قدرِه إذ أقَرُّوا بعجزِهم عن أن يقدروه حقَّ قدره. فإقرارُ المخلوقِ بعجزِه عن أن يقدِرَ اللهَ حقَّ قدرِه هو الذي يجعلُه يقدِرُ اللهَ حقَّ قدره. وما تسبيحُ المخلوقاتِ للهِ تعالى إلا تعبيرٌ عن هذا الإقرار الذي أحجمَ عنه الذين كفروا فاستحقُّوا بذلك أن يُبعِدَهم اللهُ تعالى عنه في الدنيا والآخرة. وهذا هو عينُ ما بوسعِنا أن نتبيَّنه بتدبُّرِ المقطعِ الكريم (سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) من الآية الكريمة 67 الزمر أعلاه (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ).

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s