لمَّا كانَ الشيطانُ يخافُ الله فلماذا إذاً عَصاه؟

من حقائقِ الوجودِ التي أنبأنا بها القرآنُ العظيم أنَّ الشيطانَ الرجيمَ يخافُ اللهَ تعالى: (كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ) (16 الحشر)، (وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (48 الأنفال). فلما كان الشيطانُ يخافُ الله فلماذا إذاً عصاه؟
ينتمي هذا السؤالُ إلى طائفةٍ من الأسئلةِ التي تفتقرُ صياغتُها إلى المنطق القَويم! فالإنسانُ لا يحقُّ له أن يسألَ كلَّ ما بدا له وكلَّ ما يخطرُ على بالِه ظناً منه وتوهُّماً بأنَّ كلَّ ما يجولُ في عقلِه يستحقُّ أن يتمَّ التعاملُ معه وفقاً لما تقضي به أحكامُ المنطق! فكثيرٌ مما يخطرُ ببالِ الإنسانِ يفتقرُ إلى المنطق، إذ لا يكفي أن يُفلِحَ العقلُ في صياغةِ سؤالٍ ما حتى يظنَّ صاحبُه أنَّ ذلك يُخوِّلُه أن يطرحَ سؤالَه بغيةَ الحصولِ على إجابةٍ له! فكم من سؤالٍ أوقعَ الناسَ في حَيصِ بَيص وهو لا يستحقُّ من العقلِ السليم أيَّ تدبُّرٍ ولا تفكُّر! ومن جملةِ هذه الأسئلة السؤالُ الذي هو عنوانُ هذا المنشور!
فإبليسُ أبى أن يسجدَ لآدمَ ظناً منه بأنَّه “أمرٌ منطقي”؛ إذ “كيف يُعقَلُ أن يسجدَ لمن خُلِقَ من طين وهو الذي خلقَه اللهُ من نار؟”! وإبليسُ لم يكن ليخطرَ له على بال أنَّ ما قام به من عصيانٍ لأمرِ اللهِ له بالسجود لآدم سيجلبُ عليه ما يوجِبُ أن يُخرَجَه اللهُ من الجنة، وأن يلعنَه اللهُ إلى يومِ الوقتِ المعلوم، وأن يخلِّدَه اللهُ بعدها في نارِ جهنم. فلما تبيَّنَ للشيطانِ أنَّه بعِصيانِه لأمرِ اللهِ تعالى بالسجودِ لآدم قد تعيَّنَ عليه أن يُعانِيَ كلَّ هذا العذاب، أدركَ، بعد فواتِ الأوان، الحقيقةَ التي لم يكن يُدركها من قبل، وهي أنَّ اللهَ شديدُ العقاب، وأنَّ اللهَ سيضطرُّه إلى مزيدٍ من العذاب، فوقَ العذابِ الذي تسبَّبَ به لنفسِه بعصيانِه وتمرُّدِه، إن هو تعدَّى الحدودَ التي اشترطَها اللهُ تعالى عليه إذ أجازَه بما سألَه من “حريةٍ” بأن يُضِلَّ الغاوين من عبادِه.
يتبيَّنُ لنا، وبتدبُّرِ ما تقدَّم، أنَّ الشيطانَ أصبحَ يخافُ اللهَ بعد أن عصاه وأدركَ يقيناً بأنَّ اللهَ شديدُ العقاب، وليس قبل ذلك. وبذلك يتبيَّنُ لنا أيضاً الخطأُ المنطقي الذي ينطوي عليه السؤال “لما كان الشيطانُ يخافُ الله فلماذا إذاً عصاه؟”.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s