في معنى “قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَٰنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا”

أرسلَ اللهُ تعالى روحَه الأمين، جبريلَ عليه السلام، إلى السيدة مريم عليها السلام: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا. فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا) (16- 17 مريم).
ولقد تمثَّلَ روحُ اللهِ تعالى جبريلُ للسيدةِ مريم رجلاً لا تَميزُه العينُ من غيرِه من الرجال، فكان أن خالجَها خوفٌ منه ووجَل مما حدا بها لأن تقولَ ما حفظته لنا الآية الكريمة 18 من سورةِ مريم (قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا). فما الذي قصدت إليه السيدةُ مريم بقولِها هذا؟
يُعينُ على الإجابةِ على هذا السؤال أن نستذكرَ أمرَ اللهِ تعالى لرسولِه الكريم صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم الواردَ في الآيتَين الكريمتَين: (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (200 الأعراف)، (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) (98 النحل). فاللهُ تعالى إذ أمرَ رسولَه الكريم صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم بأن يستعيذَ به من الشيطانِ الرجيم، فإنَّه إنما كان يُزوِّدُه بما هو كفيلٌ بأن يجعلَ الشيطانَ “يرتدعُ” فيكفُّ عنه صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم كيدَه الضعيف، وذلك بأن يُذكِّرَه بما كان من أمرِه مع اللهِ تعالى يومَ أجازَه اللهُ بأن يستفززَ أشرارَ بَني آدمَ بصوتِه، وبأن يجلبَ عليهم بِخَيلِه ورَجِلِه، وبأن يشاركَهم في الأموالِ والأولاد، وبأن يَعِدَهم (وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَولَادِ وَعِدْهُمْ) (من 64 الإسراء)، وأن يُعيدَ عليه قولَ اللهِ تعالى الذي قُيِّدَ بمقتضاهُ تزيينُه وحُدِّدَت بذلك غوايتُه: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ) (42 الحجر).
فاستعاذةُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم باللهِ من الشيطانِ الرجيم قد جعلَها اللهُ تعالى تذكرةً له بحدودِه التي لم يُجِزهُ اللهُ تعالى بأن يتعدَّاها؛ هذه الحدودُ التي ما كان له أن يتعداها أما وقد علِمَ بما سيعودُ به ذلك عليه من شديدِ العذابِ والعقاب: (كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ) (16 الحشر)، (وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (48 الأنفال).
ولذلك جهرت السيدةُ مريم بقولِها الذي حفظته لنا الآيةُ الكريمة: “قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا”. فالسيدةُ مريم كانت تعلمُ أنَّ مَن يخافُ اللهَ تعالى هو “وحدَه” مَن ستردعُه استعاذتُها بالرحمن منه، إن أرادَ بها سوءاً، وذلك لأنه “وحده” مَن يخافُ اللهَ خوفاً يضطرُّه إلى أن يجعلَ نفسَه تلزمُ حدودَها فلا تعتدي حدودَ الله.
خلاصةُ القول، فإنَّ ما قصدت إليه السيدةُ مريم بالإمكانِ إيجازُه وتلخيصُه بالكلماتِ التالية: “إني أُخوِّفُك بالرحمن إن كنتَ تخافُه”.
يتبيَّنُ لنا، وبتدبُّر ما تقدَّم، أنَّ الشيطانَ الرجيم يخافُ اللهَ تعالى بينما لا يخافُه الأشرارُ من بَني آدم الذين يكفي للتعريفِ بهم أن تقولَ عنهم إنهم “لا يخافونَ الله”. فالسيدةُ مريم استعاذت بالرحمن ممن توسَّمت فيه مخافةَ الله فخوَّفته به، وذلك إيقاناً منها بأنَّه لو لم يكن يخافُ الله فلن يردعَه شيءٌ عن تعدِّي حدودِ الله.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s