ما الذي أحزنَ رسولَ اللهِ صلى الله تعالى عليه وسلم إذ كذَّبَهُ قومُه فقالوا عنه “سَاحِرٌ كَذَّابٌ”؟

نقرأُ في سورةِ الأنعام، وفي الآية الكريمة 33 منها: (قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ). وهذا هو عينُ ما نقرأُه في الآيتَين الكريمتَين 4- 5 ص: (وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّاب. أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ). فما الذي أحزنَ رسولَ الله صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم إذ كذَّبه قومُه؟
يُعينُ على الإجابةِ على هذا السؤال أن نستذكرَ ما وردَ في القرآنِ العظيم من آياتٍ كريمة ليس بالعسيرِ على مَن يتدبَّرُها أن يتبيَّنَ مدى حرصِ رسولِ الله صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم على أن يُبلِّغَ ما أُنزِلَ إليه من ربِّه. ومن هذه الآياتِ الكريمة: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) (99 يونس)، (وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ) (103 يوسف)، (فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ) (من 8 فاطر).
فرسولُ الله صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم كان لا يألو جَهداً في تبليغِ ما أُنزِلَ إليه من ربِّه، وذلك امتثالاً منه وانصياعاً وإذعاناً لما أمرَه اللهُ تعالى به: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ) (من 67 المائدة)، (فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ) (من 45 ق)، (فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ) (21 الغاشية).
ولما كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم لا يلقى من قومِه إلا الصدودَ والإعراضَ والتكذيب، فلقد وقرَ لديه صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم أنَّه لم يُفلِح في تبليغِ ما أُنزِلَ إليه من ربِّه، وأنَّه مُقصِّرٌ في تنفيذِ أمرِ اللهِ تعالى له، وأنَّه لو كان أكثرَ براعةً في التبليغِ عن اللهِ تعالى رسالتَه لما صدَّ عنه قومُه ولما أعرضوا. ولقد بيَّنَ اللهُ تعالى لرسولِه الكريم صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم أنَّ الأمرَ ليس كما يظنُّ، وأنَّه لم يقصِّر في تبليغِ ما أُنزِلَ إليه، وأنَّ العيبَ هو في قومِه، الذين لن يؤمنَ منهم إلا مَن شاءَ له اللهُ تعالى أن يهتدي، ولو جاءهم بكلِّ آية: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ) (25 الأنعام).
ولذلك فلقد أمرَ اللهُ تعالى رسولَه الكريم صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم بألا يدعَ الحزنَ يتسلَّلُ إلى قلبِه، وأن يكفَّ عن محاسبةِ نفسِه، أما وقد بيَّنَ له أنَّ القومَ لا يكذِّبونَه لشخصِه ولكنهم يكذِّبون هذا الذي جاءهم به من عند الله (قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ) (33 الأنعام).
ولقد اشتملَ القرآنُ العظيم على الكثيرِ من الآياتِ الكريمة التي تُبيِّنُ لمَن يتدبَّرُها عظيمَ محبةِ اللهِ تعالى لرسولِه الكريم صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم؛ حيث أمرَه اللهُ تعالى بألا يحزن لهذا الذي يلقاهُ من قومِه: (وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيم) (176 آل عمران)، (وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ) (127 النحل)، (وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) (23 لقمان)، (فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُون) (76 ص).

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s