مَن هُم أصحابُ المَيمَنة؟

خلقَ اللهُ تعالى الإنسانَ خِلقةً فريدةً استثنائية تعيَّن عليه بمقتضاها أن يكابدَ من الصعابِ والمشاق ما بوسعنا أن نتبيَّنَه بتدبُّرِ حالِه مع اللهِ تعالى إذا ما هو اختارَ أن ينأى بنفسِه بعيداً عن سبيلِ الرُّشد فيتَّبعَ هواه مُعرِضاً بذلك عن هَدي الله وهُداه. ولقد أجملَ القرآنُ العظيم معاناةَ الإنسانِ هذه في آيةٍ هي القولُ الفصلُ وفصلُ الخطاب: (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ) (4 البلد). فإذا ما أرادَ الإنسانُ أن يقهرَ هذا “الكبد” فإنَّ سبيلَه الوحيدَ إلى ذلك هو ما فصَّلَه لنا القرآنُ العظيم وبيَّنَه بحكمتِه البالغة إذ جعلَ الأمرَ منوطاً باقتحامِه “العقبة”؛ هذه العقبةُ التي بيَّنت لنا سورةُ البلد أنَّ الإنسانَ لن يقتحمَها إلا من بعد أن يقوم بما فصَّلته آياتُها الكريمة: (فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ. وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ. فَكُّ رَقَبَةٍ. أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ. يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ. أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ) (11- 16 البلد).
واقتحامُ العقبةِ أمرٌ شاقٌّ عسير، وذلك طالما كان يطالبُ الإنسانَ بأن يضطرَّ نفسَه إلى ما لم تُجبَل عليه! فالنفسُ جُبِلت على الشُّحِّ والبُخلِ والأثَرة! ولذلك كان “اقتحامُ العقبة” يقتضي من الإنسانِ أن يحملَ نفسَه على ما لا تهوى ويُجبِرَها على ما لا تحب. ومن هنا كان أمرُ اللهِ تعالى يشتملُ على كلِّ ما من شأنِه أن ينتزعَ البخلَ من قلبِ الإنسان ويُخرِجَ أضغانَه: (وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ. إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُم) (من 36- 37 محمد).
ولأنَّ أمرَ اللهِ تعالى هذا ليس باليسيرِ على الإنسانِ أن يَحيا بمقتضاه، فلقد وصفَ اللهُ أولئك الذين ألزموا أنفسَهم بهذا الأمر، واضطرُّوها إلى التقيُّدِ به، بـ “أصحابِ الميمنة”، وذلك شريطةَ أن يُتبِعوا هذا “الإلزامَ والالتزام” بما بوسعِنا أن نتبيَّنَه بتدبُّر الآيتين الكريمتين: (ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ. أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ) (17- 18 البلد).
وهنا أيضاً لابد من أن نستحضرَ ما يقتضيه هذا “التواصي بالصبرِ والمرحمة” من حَملٍ للنفسِ على ما لا تحب واضطرارٍ لها على ما تكره. فالصبرُ يتعارضُ مع ما جُبِلت عليه الأنفسُ من جزعٍ وعجلة. والمرحمةُ هي ليست من شِيَمِ النفس، وذلك طالما كانت تطالبُها بأن تكونَ ردودُ أفعالِها أدنى إلى الإحسانِ وأقرب. فمَن منا يقابلُ إساءةَ الآخرين إليه بالإحسان ولا يردُّ الصاعَ صاعين؟!
يتبيَّنُ لنا، وبتدبُّرِ ما تقدَّم، أنَّ اتصافَ المرءِ بصفة “أصحابِ الميمنة” ليس بالأمرِ السهل اليسير، وذلك طالما كان ثمنُ ذلك يقتضي منه أن يخالفَ نفسَه وألا يتَّخِذَ إلهَه هواه.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s