في معنى “الدَّهر” في القرآنِ العظيم

وردت كلمةُ “الدهر” في القرآن العظيم مرتين اثنتين: (وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ) (24 الجاثية)، (هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا) (1 الإنسان). فما هو معنى هذه الكلمةِ القرآنيةِ الكريمة؟
بدايةً لابد لنا من أن نُمايزَ بين معنى كلمة “الدهر” كما تواضعَ على الأخذِ به الفلاسفةُ وغيرُهم من المشتغلين بـ “علم الكلام” وبين معناها القرآني؛ هذا المعنى الذي لا ينبغي لنا أن نُماهيَ بينه وبين معناها غير القرآني. فالمعنى القرآني لكلمة “الدهر” لا سبيلَ إلى الوقوعِ عليه، والإحاطةِ به، إلا من بعدِ أن نتبيَّنَه بتدبُّرِ الآيتَين الكريمتَين الواردتَين أعلاه. فالآيةُ الكريمةُ الأولى تشيرُ إلى عقيدةِ أولئك الذين يُنكرون البعثَ بحجةٍ مفادُها ما بوسعِنا أن نتبيَّنَه بتدبُّرِ الآياتِ الكريمةِ التالية: (وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا) (49 الإسراء)، (قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ) (82 النور)، (أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ) (3 ق).
فالإنسانُ لا يريدُ أن يُصدِّقَ ما لا تريدُ له نفسُه أن يصدِّقَه! والإنسانُ إذ ينظرُ إلى ما تبقَّى من آثارِ آبائه الأولين فإنه لا يرى منها إلا عظاماً وتراباً ورفاتاً قد أكلَ الدهرُ عليها وشرب! وهذا في ظنِّ الإنسانِ هو كلُّ ما يتبقى منه بعد أن يموتَ ويهلك! ولقد فنَّدُ قرآنُ اللهِ العظيم ظنَّ الإنسانِ هذا ودحضَه بقولِه (قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ) (4 ق). فالدهرُ إذ يمضي سنينَ وأعواماً وأحقاباً، فإنه لا يُهلكُ من الإنسانِ إلا ذاك الذي خُلِقَ من الترابِ وكان لابد وأن يعودَ إليه. أما ما هو ليس بذي صلةٍ بترابِ الأرضِ التي منها خُلِق، فلا قدرةَ للدهرِ على أن يُهلكَه وإن تطاولَ سنينَ وأعواماً وأحقاباً! ولذلك قال اللهُ تعالى في معرضِ دحضِه وتفنيدِه لزعمِ أولئك الذين ينكرون البعث: “وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ”. فاللهُ تعالى يحتفظُ بـ “شيءٍ من الإنسان”، وذلك من بعد أن يموتَ، في “كتابٍ حفيظ” يلبثُ فيه (هذا الشيء) حتى يومِ البعث.
وهذا المعنى لكلمة “الدهر” في القرآنِ العظيم هو عينُ ما بوسعنا أن نتبيَّنَه بتدبُّرِ الآيةِ الكريمة (هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا). فالإنسانُ لم تطأ قدماه هذه الأرضَ إلا من بعدِ انقضاءِ مدةٍ من الزمان تطاولت سنينَ وأعواماً وأحقاباً، وذلك من بعد أن أعطاهُ اللهُ تعالى خلْقَه ثم هدى: (رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى) (من 50 طه). فالإنسانُ هو أحدثُ المخلوقاتِ قاطبةً، وذلك بالمقارنةِ مع ما سبقَه من نباتِ الأرضِ وحيوانِها. فالإنسانُ لم يكن له تواجدٌ على هذه الأرضِ طوالَ مئات الملايين من السنين انفردَ خلالها النباتُ والحيوانُ بالأرضِ من دونِه.
وبذلك يكونُ المعنى الذي بوسعِنا أن نتبيَّنَه بتدبُّرِ السؤالِ القرآني “هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا؟” هو: “نعم قد أتى على الإنسانِ “حينٌ من الدهر” (أي مدةٌ طويلةٌ جداً من الزمان)، يُقدَّر بملايين السنين، لم يكن خلالَه للإنسانِ من تواجدٍ على هذه الأرض.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s