في معنى قولِ اللهِ تعالى “وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَىٰ”

لم يكن قدامى العربُ بِدعاً من البشر إذ عبدوا نجمةَ “الشِّعرى”. فكثيرٌ من شعوبِ العالَم القديم كانوا يعبدون هذه النجمةَ ظناً منهم وتوهماً بأنَّها إلهٌ من جملةِ الآلهة التي سبَّبوا لعبادتِهم لها بهذا السبب أو ذاك من الأسباب! فقبيلة “الدوغون” مثلاً، وهي إحدى قبائل غرب أفريقيا، لا تزال تعبدُ “الشعرى” حتى يومِنا هذا!
ولقد حملَ اللهُ على عربِ “الجاهليةِ الأولى”، الذين كانوا يعبدون “الشِّعرى”، بقولِه تعالى: (وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى) (49 النجم). فأيُّ منطقٍ في أن تُعبَدَ “الشِّعرى” مع اللهِ وهم يعلمون أنَّ اللهَ هو ربُّها كما أنه هو ربُّهم؟! وقولُ اللهِ تعالى هذا يُذكِّرُ بقوله: (قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ. وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ) (95- 96 الصافات). فسيدُنا صالح حاجَجَ قومَه إذ بيَّنَ لهم ألا حجةَ لهم باتِّخاذِهم آلهةً نحتوها بأيديهم وهم يعلمون أنَّ اللهَ تعالى هو مَن خلقَهم ومنحوتاتِهم.
يتبيَّنُ لنا مما تقدَّم أنَّ العقلَ البشري، إذ يرتضي أن يكونَ طوعَ أمرِ النفسِ التي لا تأمرُ إلا بالسوء، فإنَّه لا يجدُ غَضاضةً في أن يعبدَ مع اللهِ تعالى آلهةً أخرى، وذلك على الرغمِ من أنَّه يعلمُ ألا مُسوِّغَ هنالك لهكذا عبادةٍ قائمةٍ على الشِّركِ بالله الخالقِ الذي خلقَ كلَّ شيء! ومن هنا كان حقاً على اللهِ تعالى أن يُرسِلَ رسُلَه مُبشِّرين ومنذرين ومُذكِّرين بألا حاجةَ هنالك لعبادةِ أحدٍ مع الله خالقِ كلِّ شيء.
ولذلك فإنَّ كلَّ محاولةٍ لتقديمِ تسلسلٍ منطقي يكونُ التوحيدُ بمقتضاه “لاحقاً”، والشركُ “سابقاً”، محكومٌ عليها بأن تنتهيَ بأصحابِها إلى الإخفاقِ في تقديمِ تصورٍ للمراحلِ التي مرَّ بها تديُّنُ الإنسان. فاللهُ تعالى علَّمَ الإنسانَ أن يوحِّدَه وأن يُخلِصَ له عبادتَه، ولكنَّ الإنسانَ أبى إلا أن يُشركَ بالله طالما كان في ذلك ما يتَّفقُ مع ما تأمرُه به نفسُه ويزيِّنُه له هواه: (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ) (106 يوسف).

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s