في معنى قَولِ اللهِ تعالى “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ”

يفرضُ البعضُ منا وصايتَه على الآخرين متوهِّماً أنَّه “مُخوَّلٌ” بأن يتفحصَ مكنوناتِ قلوبِهم، وأنَّه يحِقُّ له أن يُحدِّدَ لهم الوجهةَ التي يتوجَّبُ عليهم أن يتِّخذوها عقيدةً وشِرعةً ومنهاجاً! ويظنُّ هذا البعضُ أنَّ مَن “خوَّلَه” بذلك هو دينُ اللهِ تعالى! وهذا إن دلَّ فإنَّما يدلُّ على أنَّ هذا البعضَ لم يتدبَّر قرآنَ اللهِ العظيم الذي كفَل لكلِّ مَن يتدبَّرُه أن يتبيَّنَ الحقيقةَ القرآنيةَ التي مفادُها أنَّ اللهَ تعالى لم يكلِّف يوماً أحداً من عبادِه بهكذا “وصاية” تتناقضُ، بالتمامِ والكلية، مع الحريةِ التي خُلِقَ الإنسانُ بها وجُبِلَ عليها وبما يكفلُ له أن يختارَ طريقَه في هذه الحياةِ الدنيا بمحضِ إرادتِه ومن دونِ أن يُفرَضَ عليه معتقدٌ أو دين: (قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ. وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (38- 39 البقرة)، (يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ. وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُون) (35- 36 الأعراف).
فاللهُ تعالى لم يكلِّف أحداً من عبادِه يوماً بأن يُجبِرَ الناسَ حتى يكونوا مؤمنين (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) (99 يونس). ولقد شدَّدَ القرآنُ العظيم على هذا الأمر، وذلك ببلاغٍ مبين بُلِّغَ به سيدُنا رسولُ اللهِ صادقُ الوعدِ الأمين صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم: (فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ) (من 48 الشورى)، (نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيد) (45 ق)، (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ) (107 الأنعام)، (إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ) (41 الزمر)، (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ) (6 الشورى)، (فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ. لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ) (21- 22 الغاشية)، (فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ) (من 40 الرعد).
يتبيَّنُ لنا، وبتدبُّرِ هذه الآياتِ الكريمة، وغيرِها كثير، أنَّ أولئك الذين يُكرِهونَ الناسَ على الدين، فيضطرُّونهم إلى ما لم يتخيَّروه بأنفسِهم ديناً وشِرعةً ومنهاجاً، إنما يصحُّ فيهم قولُ اللهِ تعالى: (حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ) (من 16 الشورى). فاللهُ تعالى شرعَ لنا قانونَه القاضي بأن: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) (من 256 البقرة). أي “لا إكراهَ على الدين”. أي لا يجوز لنا أن نُكرِهَ أحداً على أن يدينَ بدينِ الله، أو على أن يتديَّنَ بدين الله، إن لم يشأ هو ذلك. فهو أولاً وأخيراً مَن سيُحاسَبُ يومَ القيامة، يومَ “تأتي كلُّ نفسٍ تجادلُ عن نفسِها”.
وكلُّ ما تقدَّم هو بعضٌ من المعنى الذي بوسعِنا أن نتبيَّنَه بتدبُّرِ الآيةِ الكريمة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُون) (105 المائدة).

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s