في معنى “فأرَدتُ” و”فَأرَدنا” و”فَأَرَادَ رَبُّكَ” في الآياتِ الكريمة ٧٩ و٨١ و٨٢ من سورةِ الكهف

لم يُفلِح سيدُنا موسى في تبيُّنِ الحقيقةِ الكامنةِ من وراءِ “الحجابِ اللطيفِ الخَفي” الذي سلَّطَه اللهُ تعالى على وقائعِ هذه الحياةِ الدنيا وأحداثِها وظواهرِها، وذلك عندما عجَزَ عليه السلام عن استكناه حقيقةِ الأمر الذي كانت تراه عيناه، مما جعلَه يُسارِعُ إلى كيلِ الاتهامات إلى العبدِ الصالح، وذلك كما يتبيَّنُ لنا بتدبُّرِ الآياتِ الكريمةِ التالية: (فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا) (71 الكهف)، (فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا) (74 الكهف)، (فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا) (77الكهف).
ولذلك فلم يكن هنالك أمامَ العبدِ الصالحِ من سبيلٍ غيرَ أن يُفصِّلَ لسيدِنا موسى الأمرَ ويُبيِّنَه، وذلك كما يتبيَّنُ لنا بتدبُّرِ الآياتِ الكريمةِ التالية: (أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا. وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا. فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا. وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا) (79- 82 الكهف).
إنَّ ما حدث لسيدِنا موسى، فجعلَه يُسارعُ إلى اتِّهامِ العبدِ الصالحِ بما فصَّلته لنا سورةُ الكهف في الآياتِ الكريمةِ أعلاه، ليس بالمستغربِ منه أما وقد خلقَه اللهُ تعالى بشراً محدودَ القدراتِ مُحدَّداً بقابلياتٍ لا تُمكِّنُه من أن ينظرَ إلى “الحجابِ” فيرى ما وراءه! ولم يكن سيدُنا موسى في ذلك بِدعاً من باقي بني آدم. فكلُّنا في هذا العجزِ سواء، طالما كنا ذريةَ آدم الذي تعيَّنَ عليه ألا يكونَ بمقدورِه الانعتاقُ من مُحدِّداتِ المكان وحواجزِه وحواكمِ الزمانِ وضوابطِه إلا بإذنِ الله. وحدَه العبدُ الصالح قُدِّرَ له أن يتبيَّنَ الأمورَ على حقيقتِها، وذلك مصداقَ قولِ اللهِ تعالى في التعريفِ بهذا العبد: (وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا) (من 65 الكهف).
ولكن، يحقُّ لنا أن نتساءلَ عن العلةِ في هذا “التمايز في التعبيرِ” بين “فَأَرَدْتُ ” و”فَأَرَدْنَا” و”فَأَرَادَ رَبُّكَ” في الآيات الكريمة 79 و81 و82 من سورة الكهف أعلاه، فهل هناك من “موعظةٍ حسَنة” من وراءِ هذا “التمايزِ في التعبير”؟
لقد “أرادَ” العبدُ الصالحُ أن يُعلِّمَ سيدَنا موسى مما علَّمَه اللهُ تعالى رُشدا، وذلك استجابةً منه لما كان عليه السلام قد سألَه إياه مستهلَّ لقائهما القدَري: (قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا) (66 الكهف). فالإنسانُ منا، وسيدُنا موسى إنسان، يظنُّ أنَّه يمتلكُ من “الإرادةِ” ما يُخوِّلهُ أن يقولَ للشيءِ إذا أرادَه: “أريدُه”، ولكن ما أن يتقدَّمَ الإنسانُ على “الطريقِ إلى الله” حتى يتبيَّنَ له أنَّه لم يكن بمقدورِه أن “يُريدَ” لولا أنَّ اللهَ يسَّرَ له أن “يُريد”. ولذلك تراهُ يقولُ للشيءِ إذا أرادَه: “أردتُه وأرادَه الله”. حتى إذا ما صحَّ من الإنسانِ مسعاهُ، وصدقَ في طلبِه الله، ولم يُخالط مقصدَه أحدٌ سوى الله، تبيَّنَ له أنَّ اللهَ تعالى هو الذي “أراد”. وهذا هو عينُ التديُّنِ الحق بِدينِ اللهِ الحق؛ هذا التديُّنُ الذي ليس من سبيلٍ للتحلِّي به إلا من بعدِ إيقانِ القلبِ والعقل بأننا إذا ما “أردنا” فإنَّ اللهَ تعالى هو الذي لولاه ما كان بمقدورِنا أن “نريد”، فهو الذي أمدَّنا بما يسَّرَ لنا أن “نُريد”، وذلك بما أنعمَ به علينا من “قوةِ إرادةٍ”نُخطِئُ إن نحن توهَّمناها مُسبَّبةً بهذا أو ذاك من الأسباب وننسى أنَّ اللهَ تعالى هو العلةُ من وراءِ كلِّ الأسباب: (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) (29 التكوير).

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s