في معنى قولِهِ تعالى “إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا”

قُدِّرَ للإنسانِ أن يُعانيَ جراءَ خِلقتِه، الاستثنائيةِ الفريدة، معاناةً أوجزَها قولُ اللهِ الفصل: (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ) (4 البلد). فكثيرٌ منا يؤثِرُ أن يسمعَ لنفسِه إذ تُطوِّعُ له أن يجعلَ عقلَه طوعَ بَنانِها، ليُصبحَ هذا العقلُ، الذي لو أعانَه الإنسانُ على نفسِه كان له خيرَ ظهيرٍ ومعين، أداةً تستعينُ بها هذه النفسُ لإحكامِ سيطرتِها عليه. وعقلٌ كهذا، يأتمرُ بما تأمرُه به النفسُ، ليس أهلاً لأن يُحكَّمَ في دينِ اللهِ ولا أن يُحتكمَ إليه في شأنٍ ذي صلةٍ بما يتعيَّنُ على الإنسانِ أن يتديَّنَ به حتى يكونَ من عبادِ اللهِ الصالحين. فإن حُكِّمَ هذا العقلُ، المؤتمِرُ بما تأمرُ به النفسُ، في دينِ اللهِ تعالى، وفيما يتعيَّنُ على الإنسانِ أن يتديَّنَ به، فلن ينتهيَ بنا الأمرُ بعدها إلا إلى ما سيجعلُنا نُهوِّنُ من هذا أو ذاك مما هو عند اللهِ عظيمٌ من أمورِ دينِنا وتديُّنِنا. وهذا ما بوسعنا أن نتبيَنه بتدبُّر ما جاءتنا به سورة النور في الآية الكريمة 15 منها: (وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ).
ويُعينُ على تبيُّنِ فداحةِ هذا الذي يعودُ به علينا من وبيلِ الشرورِ إصرارُنا على أن نحتكِمَ إلى عقلِنا، الذي أخضعته النفسُ لسلطانِها، أن نتدبَّرَ ما جاءتنا به سورةُ النساء في الآية الكريمة 86 منها: (وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا). فنحن قد نُغلِّبُ مزاجَنا، وطبعَنا الذي نظنُّ أن لا سلطةَ لنا عليه، على ما ينبغي أن يكونَ عليه حالُنا مع اللهِ تعالى، إنصياعاً وإذعاناً لما أمرَنا به ونهانا عنه، فلا نردُّ التحيةَ بمثلِها أو بأحسنَ منها، ونحسبُ أنَّ هذا أمرٌ لن يحسابَنا عليه الله، لينتهيَ بنا ذلك بعدها إلى مخالفةٍ صريحةٍ لما أمرَنا اللهُ تعالى به، فنُحسَبُ بها عند اللهِ تعالى من الذين يحسبونَ الأمرَ هيِّناً وهو عند اللهِ عظيم!
خلاصةُ القول: إن الآيةَ الكريمة 86 النساء أعلاه تُحذِّرُنا من مغبةِ تحكيمِ عقولِنا، التي ارتضينا أن تصبحَ طوعَ بَنانِ أنفسِنا، في دينِنا وتديُّنِنا، في هذا أو ذاك مما نحسبُه هيِّناً وهو عند اللهِ عظيم، لينتهي بنا الأمرُ بعدها إلى ما يجعلُنا من أولئك الذين قالَ اللهُ تعالى فيهم (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ. كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ) (2- 3 الصف).

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s