طمعٌ يَرتضيه الله!

ذكرتُ في العديد من المنشورات السابقة أنَّ لسانَ القرآنِ العربي المبين ليس له بالضرورة أن يتطابقَ ويتماهى مع لسانِنا الذي اعوجَّت عربيَّتُه على مَر السنين. ولقد قدَّمتُ في تلك المنشوراتِ أمثلةً عدة يتبيَّنُ لِمَن يتدبَّرُها أنَّ إصرارَنا على أن نفهمَ القرآنَ العظيم بلسانِنا هذا لن يعودَ علينا، في كثيرٍ من الأحايين، إلا بما يجعلُ منا بعيدينَ أشدَّ البُعدِ عن تبيُّنِ المعنى الذي ينطوي عليه كثيرٌ من آياتِه الكريمة. ومن ذلك، المعنى الذي تنطوي عليه الكلماتُ القرآنيةُ الكريمة التي تشتركُ في الجذر اللُّغوي “طمعَ”. وهذه الكلماتُ القرآنيةُ هي: أفتطمعون، نطمعُ، يطمعون، طمعاً، أطمعُ، يطمعُ، فيطمعُ، أيطمع.
فمعنى “الطمع”، وفقاً للسانِ القرآنِ العربي المبين، هو أبعدُ ما يكون عن المعنى الذي تواضعنا عليه! فـ “الطمع” في القرآنِ العظيم يعني “الرغبةُ الشديدة”. ولذلك فإنَّ السياقَ القرآني هو الذي يُحدِّدُ ما إن كان هذا “الطمعُ” مما يرتضيه الله أو مما لا يرضى عنه الله. وهذا ما بوسعنا أن نتبيَّنه بتدبُّرِ ما جاءتنا به سورةُ الأحزاب في الآية الكريمة 32 منها: (فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ). وهذا هو عينُ ما بوسعنا أن نتبيَّنَه بتدبُّر الآيتين الكريمتَين التاليتين: (أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ) (38 المعارج)، (ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ) (15 المدثر).
فـ “الطمعُ” الواردُ في هاتين الآيتين الكريمتين هو طمعٌ لا يرتضيه الله، وذلك بالمقارنة مع “طمع” آخر يرضاهُ الله:
1- (وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِين) (84 المائدة).
2- (إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ) (51 الشعراء).
3- (وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ) (82 الشعراء).
4- (وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) (56 الأعراف).
5- (يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا) (من 16 السجدة).
6- (وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ) (46 الأعراف).
ويؤيِّدُ ما يذهبُ إليه هذا المنشورُ، من أنَّ معنى “الطمع” وفقاً للسان القرآنِ العربي المبين هو “الرغبة الشديدة”، أن نتدبَّرَ الآياتِ الكريمةَ التالية: (هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ) (12 الرعد)، (وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا) (من 24 الروم)، (أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُون) (75 البقرة).

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s