في معنى قولِ اللهِ تعالى “فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ”

يؤثِرُ الإنسانُ العجلةَ على الصبرِ استعجالاً منه للأحداثِ حتى تأتيَ رياحُها بما تشتهي سَفَنُهُ! ولقد شبَّهَ قرآنُ اللهِ العظيم الإنسانَ في عجَلتِه هذه تشبيهاً يتبيَّنُ لمن يتدبَّرُه مدى تغلغلِ وتوغُّلِ هذا الذي جُبِل عليه الإنسان، من انصياعٍ لما تأمرُه به نفسُه من إيثارٍ للعجلةِ على الصبر،ِ في كينونتِه ظناً واعتقاداً وسلوكاً، وذلك بقولِه تعالى (خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ) (من 37 الأنبياء). فالإنسانُ، وفقاً لما تقولُ به هذه الآيةُ الكريمة، يكادُ يكونُ قد خُلِقَ لا من “تراب” ولكن من “عجل”! فلكأن الإنسانَ قد خُلِقَ من مادةِ العجل! ولذلك نقرأُ في قرآنِ اللهِ العظيم (وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا) (11 الإسراء).
وينقسمُ أولئك الذين يقولون بأنهم يؤمنون بالله، حيالَ هذا الذي جُبِل عليه الإنسان من إيثارٍ للعجلةِ على الصبر، إلى فريقَين لا ثالثَ لهما:
1- فالسوادُ الأعظمُ من بَني آدم يُغلِّبون سوءَ الظنِّ باللهِ على حسنِ الظنِّ به فيكونُ حالُهم معه تعالى حالَ أولئك الذين قال فيهم قرآنُه العظيم: (وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ (من 150 الأعراف)، (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) (16 الحديد).
فالذين يَعجلون أمرَ الله، فيستبطئون وعدَه ونصرَه وفتحَه، لابد وأن تقسى قلوبُهم وذلك من بعدِ أن طالَ عليهم الأمدُ انتظاراً لمجيءِ هذا الأمر. وهؤلاءِ الذين هذا هو حالُهم مع اللهِ تعالى لابد وأن يجعلَ اللهُ قلوبَهم قاسيةً أما وقد زاغت فكان حقاً على اللهِ أن يَزيغَها: (ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً) (من 74 البقرة)، (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) (5 الصف).
وهؤلاء الذين غلبت عليهم شِقوتُهم، فجعلتهم يؤثرون العجلةَ على الصبر، هم الذين “طالَ عليهم الأمدُ” و”طالَ عليهم العهدُ”: (فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي) (86 طه).
2- وقلةٌ قليلةٌ من بَني آدم يُؤثِرون حُسنَ الظنِّ بالله ويُسيؤونَ الظنَّ بأنفسِهم. وهؤلاءِ لا ييأسون من رَوحِ اللهِ وإن اضطرَّتهم مطارِقُ الخطوبِ وغوائلُ الصعابِ إلى الاستيئاسِ تساؤلاً متى يأذنُ اللهُ بمجيءِ نصرِه وتحقُّقِ وعدِه: (حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا) (من 110 يوسف)، (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ) (214 البقرة).
لقد وعدَ اللهُ تعالى الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن يُحيِيَهم حياةً طيبةً، وكفلَ لهم نصراً منه وفتحاً جعلهما مأجولَين بأجلٍ لن ينتهيَ الأمرُ بمن “طالَ” عليه انتظارُه لهما إلا بأن يصبحَ كأولئك الذين زاغوا فأزاغَ اللهُ قلوبَهم وجعلَها قاسية، ولذلك كان حرياً بمن يزعمُ أنَّه آمنَ باللهِ وباليومِ الآخر أن لا يطولَ عليه الأمدُ والعهدُ فيشكَّ في وعدِ الله ويستريب. وفي ذلك كفايةٌ لكلِّ حصيفٍ لبيب.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s