في معنى قوله تعالى “فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ”

نقرأُ في سورةِ التوبة الآيةَ الكريمة: (وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ).
تُذكِّرُهذه الآيةُ الكريمة بما كان سيدُنا إبراهيم يواظبُ عليه من استغفارٍ لأبيه: (قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا) (47 مريم)، (وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ) (86 الشعراء).
كما وتنبؤنا هذه الآيةُ الكريمة بأنَّ سيدَنا إبراهيم تبرَّأ من أبيه من بعدما تبيَّنَ له أنَّه عدوٌّ لله، وأنَّ استغفارَه بالتالي لأبيه لن يعودَ عليه بما يجعلُه أهلاً لأن يغفرَ اللهُ له. ويضطرُّنا تدبُّرُ هذه الآيةِ الكريمة إلى أن نسألَ السؤالَين التالييَن:
“لماذا لم يأمر اللهُ تعالى خليلَه إبراهيم بأن يتبرَّأَ من أبيه أمراً كان عليه السلام سيسارعُ من فورِه إلى الالتزامِ بتنفيذِه؟ ولماذا جعلَ اللهُ تعالى تبرُّأَ سيدِنا إبراهيم من أبيه مشروطاً بتبيُّنِه أنَّه عدوٌّ لله؟
يتكفَّلُ بالإجابةِ عن هذين السؤالين أن نستذكرَ هذا الذي كان عليه سيدُنا إبراهيم من خِلقةٍ “استثنائيةٍ فريدة” يُعينُنا على تبيُّنِ ملامحَها تدبُّرُ الآيتين الكريمتَين التاليتَين: (فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ. إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ) (74- 75 هود). فسيدُنا إبراهيم كان “حليماً أواهاً مُنيباً”. وهذه الصفاتُ “الاستثنائيةُ الفريدة” تذكِّرُنا بها ذاتُ الآيةِ الكريمة 114 التوبة أعلاه (وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ).
فاللهُ تعالى كان يُريدُ أن يتبيَّنَ سيدُنا إبراهيم بنفسِه أن أباه ما كانت لتنفعَه شفاعةٌ، وأنَّه مهما حاولَ فلن يتحقَّقَ لأبيه أن يحظى بمغفرةِ اللهِ ورضوانِه. لقد أرادَ اللهُ تعالى بهذا الإمهالِ منه لسيدِنا إبراهيم حتى يتبيَّنَ بنفسِه ألا أملَ هناك يُرتجى من أبيه أن يُجنِّبَه “صراعاتٍ” كانت لتنشبَ داخلَه. وفي هذا ما فيه من رحمةٍ بالغةٍ من اللهِ تعالى بخَليلِه إبراهيم استحقَّها يومَ خرجَ على قومِه “فَرَاغَ عَلَى آلهتِهم ضَرْبًا بِالْيَمِينِ “!

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s