في معنى قولِ اللهِ تعالى “لَوْ تَشْعُرُونَ”

يقتضي تدبُّرُ القرآنِ العظيم منا أن نقدرَه حقَّ قدرِه فلا نُحكِّمَ فيه لسانَنا الذي اعوجَّت عربيَّتُه على مَرِّ السنين. فلقرآنِ اللهِ العظيم لسانٌ عربيٌّ مُبين إن نحن لم نُتقِنه فلن يكونَ بمقدورِنا أن نتبيَّنَ المعنى الذي انطوت عليه كثيرٌ من آياتِه الكريمة. وتعودُ العلةُ من وراءِ إخفاقِنا في تبيَّنِ معنى كثيرٍ من آياتِ قرآنِ اللهِ العظيم إلى إصرارِنا على الاحتكام إلى ما يقضي به ما اصطلحنا وتواضعنا على الأخذِ به من معنى أسبغناهُ على كلماتِه الكريمة. فللكلماتِ القرآنيةِ الكريمة معنى قد يتطابق مع المعنى الذي تواضعنا على أنَّه المعنى الذي يحملُه وينطوي عليه ما تطابقَ في المبنى من كلماتِ لسانِنا العربي المعاصر مع هذه الكلماتِ. غير أنَّ هذا لا يلزمُ عنه بالضرورة وجوبُ أن يكونَ لكلِّ كلمةٍ قرآنيةٍ كريمة معنى هو ذاتُه الذي تنطوي عليه الكلمةُ التي تتطابق معها في المبنى من لسانِنا العربي المعاصر!
ولنأخذ مثالاً على ذلك الكلمةَ القرآنيةَ الكريمة “تَشْعُرُونَ” الواردة في الآية الكريمة (إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ) (113 الشعراء). فلو أنَّنا قرأنا هذه الآيةَ الكريمة بِلسانِنا العربي المعاصر الذي يكون فيه لكلمة “تَشْعُرُونَ” معنى ذو صلةٍ بالأحاسيسِ والمشاعر، فإننا لن نُمكَّنَ أبداً من الإحاطةِ بالمعنى الذي تنطوي عليه هذه الآيةُ الكريمة؛ هذا المعنى الذي لن يتجلَّى لنا إلا بأن نقرأَ هذه الكلمةَ الجليلة آخذين بنظرِ الاعتبار المواطنَ القرآنيةَ الأخرى التي وردت فيها. ومن هذه المواطن:
1- (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ ) (2 الحجرات).
2- (وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ) (154 البقرة).
3- (قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ) (65 النمل).
4- (قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ) (26 النحل).
5- (أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ) (45 النحل).
6- (وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ) (50 النمل).
7- (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُون) (66 الزخرف).
8- (وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ) (55 الزمر).
إنَّ تدبُّرَ هذه المواطنَ كفيلٌ بأن يُبيِّنَ لنا أنَّ معنى كلمة “تشعرون” الواردة في الآية الكريمة 113 الشعراء أعلاه، هو “تعلمون”. وبذلك يكونُ معنى هذه الآية الكريمة هو: “إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تعلمون”.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s