ما يكشِفُهُ ترتيبُ سُوَرِ المُصحفِ الشريف… سورةُ الجُمُعة وسورةُ المنافقون مثالاً

كلُّ ما في قرآنِ اللهِ يشهدُ له بأنَّه لا يمكنُ أن يكونَ من عندِ غيرِ الله، ومن ذلك ترتيبُ سُوَرِهِ الكريمة. فهذا الترتيبُ يكشفُ النقابَ عن حقائقَ ليس بالعسيرِ أمرُ تبيُّنِها إن نحن كنا من أولئك الذين يُسِّرَ قرآنُ اللهِ لهم جزاءَ كونِهم من عبادِه المُدَّكرين (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) (22 القمر).
ومن ذلك التلاحقُ القائمُ بين سورة الجمعة وسورة المنافقون. فاللهُ تعالى فضحَ في سورةِ الجمعة حالَ البعضِ ممن كانوا مع رسولِه الكريم صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم، وذلك كما يتبيَّنُ لنا بتدبُّر الآياتِ الكريمةِ التالية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ. فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) (9- 11 الجمعة). فهذا البعضُ كانوا لا يتورعون عن تركِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم قائماً يُصلِّي وذلك حتى لا يفوتَهم من زخرفِ الدنيا وزينتِها وبهرجِها شيءٌ فيسارعون إلى أسواقِ يومِ الجمعة يتجارونَ ويلهونَ!
وهؤلاء الذين هذا هو حالُهم مع اللهِ تعالى، انفضاضاً عن رسولِه الكريم صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم وتركاً له قائماً يُصلي وفراراً منه إلى حيث اللهو والتجارة، وإن كان اللهُ تعالى لم يصفهم بـ “المنافقين” في سورةِ الجمعة، فإنَّه قد فعلَ ذلك في الآية الكريمة الأولى من السورة التي تليها: (إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُون) (1 المنافقون).
ومن عجائبِ القرآن أنَّ اللهَ تعالى لم يتوجَّه إلى رسولِه الكريم صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم بصيغة المخاطَبة بقوله “يا أيها النبي” أو “يا أيها الرسول”، إذ ابتدأت السورة الشريفة بـ “إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ”! وفي هذا ما فيه من إيغالٍ في تبيانِ هذا الذي كان عليه هؤلاء المنافقون من مقتٍ لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم استحقوا بمقتضاه مقتاً من عندِ الله هو أكبرُ من مقتِهم لرسوله صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم! فحاشى للهِ تعالى أن يُشرَّفَ المنافقون بذكرِ رسولِ الله صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم، وهم مَن هم: أشدُّ الناسِ مقتاً وبغضاً لرسول الله صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s