في معنى قَولِ اللهِ تعالى “وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ”

يُبالغُ الإنسانُ في حُسنِ ظنِّه بحالِه مع اللهِ تعالى تزكيةً منه لنفسِهِ نهى اللهُ تعالى عنها إذ قالَ: (فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى) (من 32 النجم). ومن تزكيةِ الإنسانِ نفسَه أن يحسبَ أنَّه على شيء، وأنَّه عند اللهِ تعالى من أكرمِ الخَلق إن لم يكن أكرمَهم أجمعين! ولذلك تَرانا نظنُّ أننا مؤمنون حقاً وننسى ما جاءتنا به سورةُ الحُجُرات في سياقِ حديثِها عن أولئك الذين قالوا “آمنا” وما دروا أنَّ الإيمانَ لم يدخل في قلوبِهم بعدُ: (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ) (من 14 الحجرات).
ولذلك ترى السوادَ الأعظمَ من الذين يحسبون أنَّهم مؤمنون حقاً عاجزين عن إدراكِ الحقيقةِ القرآنيةِ التي مفادُها أنَّ الإيمانَ لا يبرأُ من مخالطةِ الشِّركِ له إلا من بعدِ أن يدخلَ في القلبِ ويستوطِنَ فيه. وهذا أمرٌ ليس باليسيرِ إدراكُه، وذلك طالما كان يقتضي من العبدِ إخلاصاً للهِ تعالى وإتقاناً لعبادتِه لا يقوى عليهما إلا مَن أخلصَ دينَه لله فلم يجعل لغيرِ اللهِ في عملِهِ حظاً أو نصيباً. فكَم منا مَن يعبدُ اللهَ على حرَفٍ حتى إذا ما ابتلاهُ اللهُ تعالى بدرَ عنه ما لا ينبغي من القولِ والعمل: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ) (11 الحج)؟! وكم منا صدقَ ما عاهدَ اللهَ عليه فلم يُمكِّن هواهُ من قلبِه ولم يُصغِ لنفسِه وهي تدعوه ليتَّبعَ خطواتِ الشيطان: (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا) (23 الأحزاب)؟!
إنَّ الإيمانَ بالله لا يلزمُ عنه بالضرورة أن يصبحَ العبدُ بين عشيةٍ وضحاها من الذين آمنوا وعملوا الصالحاتِ الذين امتدحهم اللهُ تعالى في قرآنِه العظيم وبشَّرهم بالجنة! فالإيمانُ بالله قد يُمازجُه ما يُعكِّرُ صَفوَه فيجعلُه أقربَ إلى الشِّرك منه إلى الإيمانِ الحَق! وكم من مؤمنٍ أحسنَ الظنَّ بإيمانِه فزكَّى نفسَه بنفسِه وهو لا يدري أنَّه راسخٌ في الشِّركِ رسوخَ المشركين الذين ناصبوا رسُلَهم العداءَ وأصرُّوا على الكفرِ والفسوقِ والعِصيان!

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s