في معنى قولِ اللهِ تعالى “وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ”

لماذا ضحكت امرأةُ سيدِنا إبراهيم إثرَ سماعِها لما قالَه رسُلُ اللهِ الذين أُرسِلوا إلى سيدِنا إبراهيم؟ (وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ. فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ. وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ) (69- 71 هود).
يظنُّ كثيرٌ منا أنَّ الأمرَ موصولٌ بما بُشِّرَت به إمرأةُ سيدِنا إبراهيم من أنَّها ستحظى بالولدِ الذي طالما أرادته. ويُفنِّدُ هذا الظنَّ ويدحضُه ما بدرَ منها من شديدِ تعجُّبٍ بوسعِنا أن نتبيَّنَه بتدبُّرِ ما حفظته لنا الآيةُ الكريمة 72 من سورة هود (قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ). يتبيَّنُ لنا بتدبُّرِ هذه الآيةِ الكريمة أن ما جعلَ امرأةَ سيدِنا إبراهيم تضحك لا علاقةَ له على الإطلاق ببشرى الملائكةِ لها بسيدِنا إسحاق، وأنَّ الأمرَ سابقٌ لهذه البشرى، وأنَّه ذو صلةٍ بما صدرَ عن الملائكةِ من قولٍ أبانوا به عن السببِ من وراءِ حضورِهم.
ويؤيِّدُ ذلك ما جاءتنا به سورةُ الذاريات: (وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ. فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ) (من 28- 29 الذاريات). فلو أنَّ بشرى حملِ إمرأةِ سيدِنا إبراهيم بسيدِنا إسحاق كان هو السببَ من وراءِ ضحكِها، فلماذا قالت “عَجُوزٌ عَقِيمٌ”؟
يتبيَّنُ لنا إذاً، وبتدبُّرِ ما تقدَّم، أنَّ هنالك “شيئاً آخرَ” هو الذي دفعَ امرأةَ سيدِنا إبراهيم إلى الضحك. ولأنَّ التفاسيرَ التي بين أيدينا لم تتطرق إلى تبيانِ السببِ الذي جعلَ امرأةَ سيدِنا إبراهيم تضحك، فلن يضيرَنا أن نستعينَ بشيءٍ من المنطق حتى نتبيَّن هذا السبب. فامرأةُ سيدِنا إبراهيم كانت تعلمُ أنَّ اللهَ تعالى ما كان ليذرَ قومَ سيدِنا لوط على ما هم عليه من تجاسُرٍ على حدودِ اللهِ وتعدٍّ لها، وأنَّه لابد وأن يعذِّبَهم عذاباً لا يُبقي على أحدٍ منهم. ولأنَّ سيدَنا إبراهيم كان، وكما وصفَه قرآنُ اللهِ العظيم (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ) (75 هود)، فلقد أنكرَ على امرأتِه قولَها وبيَّنَ لها أنَّ اللهَ ما كان ليعجلَ بعذابِ مَن أذنبَ من خلقِه لعله أن يئوبَ إليه ويتوب. فلما أن جاءَت رسُلُ اللهِ سيدَنا إبراهيم بأنَّ اللهَ منزِلٌ عذابَه بساحةِ قومِ سيدِنا لوط، ضحكت امرأتُه أما وقد تبيَّن أنَّها كانت على حق.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s