في معنى قولِهِ تعالى “فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ”

أنبأنا قرآنُ اللهِ العظيم بما كان من حالِ مَن خلفَ الأنبياءَ من قومِهم تشرذُماً وتشتُّتاً وتفرُّقاً:
1- (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا. إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا) (59- 60 مريم).
2- (وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ. مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُون) (من 31- 32 الروم).
3- (فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) (53 المؤمنون).
ويلفِتُ النظرَ ما جاءتنا به الآيةُ الكريمة 53 من سورة المؤمنون بهذا الذي وردَ فيها من ذكرٍ لكلمةِ “زُبُرا”: (فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ). فكيف تفرَّقَ الأقدمون “زُبُراً”؟
يُعينُ على الإجابةِ على هذا السؤال أن نتدبَّرَ الآياتِ الكريمةِ التالية:
1- (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ) (من 213 البقرة).
2- (وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ) (من 19 آل عمران).
3- (وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ) (من 14 الشورى).
4- (وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ) (من 17 الجاثية).
فالأقدمونَ، من الذين آتاهم اللهُ الكتابَ، وإن كانوا قد اتَّفقوا على اعتمادِ هذا الكتاب نصاً إلهياً مقدساً أجمعوا على أنَّه من عندِ اللهِ تعالى، إلا أنَّهم افترقوا فتقطَّعوا أمرَهم بينهم زُبُراً، وذلك بأن اعتمدت كلُّ طائفةٍ منهم “تفسيراً” لهذا “الكتاب الإلهي” يُخالِفُ ما بين أيدي الطوائفِ الأخرى من تفاسير! فالكلمةُ القرآنيةُ الكريمة “زُبُراً” تعني “كُتُباً”، وهذه الكتبُ بشريةُ الصياغة وإن كان يظنُّ مَن قام بصياغتِها غير ذلك! فكلمة “زُبُر” في القرآن العظيم تجيءُ أحياناً بمعنى “كُتُباً”، وذلك كما يتبيَّنُ لنا بتدبُّرِ قولِه تعالى:
1- (وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِين) (١٩٦ الشعراء).
2- (فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِير) (184 آل عمران).
3- (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ. بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ) (من 43- من 44 النحل).
4- (وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ) (25 فاطر).
يتبيَّنُ لنا إذاً، وبتدبُّرِ ما تقدَّم من بيانٍ لمواطنِ ورودِ الكلمةِ القرآنيةِ الكريمة “الزُّبُر”، أنَّ هذه “الزُّبُر” هي ليست الزُّبُرَ التي تفرَّقَ بمقتضاها أولئك الذين خلَفوا أنبياءهم المُرسَلين فتقطَّعوا أمرَهم بينهم زُبُراً بهذا الذي “ابتدعوه” من تفاسيرَ لِما أُنزِلَ عليهم من البيِّناتِ والعلمِ والكتابِ المبين.
وها نحنُ اليومَ نغُذُّ السيرَ على خُطى مَن سبَقنا من الأُمَم تشرذُماً وتفرُّقاً واختلافاً! كيف لا وقد أصبحنا أمثالَهم نؤمنُ كلُّنا جميعاً بكتابٍ واحدٍ هو القرآنُ العظيم وإن كان يكفِّرُ بعضُنا بعضاً بما ابتدعناه من تفاسيرَ كلُّ طائفةٍ منا تظنُّ أن تفسيرَها هو الحقُّ القويم وأنَّ ما بينَ أيدي غيرِها هو الضلالُ المبين!

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s