في معنى قولِ اللهِ تعالى “أَمْ لِلإنْسَانِ مَا تَمَنَّى”

الإنسانُ كائنٌ مفتونٌ بعقلِه الذي يُطوِّعُ له أن يسمعَ لنُصحِه ويعملَ بما يأمرُه به ظناً منه وتوهُّماً أنَّ عقلَه هذا لا يقولُ إلا الحقَّ ولا يهدي إلا إليه! وإذعانُ الإنسانِ لعقلِه هو عينُ ما يتوجَّبُ عليه فعلُه طالما كان الأمرُ ذا صلةٍ بدُنياه. أما إن كان الأمرُ ذا صلةٍ بالآخرة، فإنَّ هذا الإذعانَ لن يُفضِيَ بالإنسانِ إلا إلى الخوضِ فيما ليس له به علم، وإلى القولِ بما لا يقومُ عليه دليلٌ أو برهان! ولقد نجمَ عن هذا الإصرارِ من جانبِ الإنسانِ على إعمالِ عقلِه في “شؤونِ الآخرة” ما جعلَه يقولُ فيها من القولِ ما لا يستقيمُ مع دينِ اللهِ الذي لولاه ما كان الإنسانُ ليعلمَ أنَّ له إلهاً هو الله الذي سيحشرُه إليه يومَ الحساب.
ولقد حذَّرَ القرآنُ العظيمُ الإنسانَ من مغبةِ هذا الانصياعِ لكلِّ ما يقولُ به عقلُه هكذا ومن دون أن يُمايزَ بين ما هو موصولٌ بهذه الحياةِ الدنيا وما هو ذو صلةٍ بالآخرة: (أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى) (24 النجم). فالإنسانُ إذ يتمنى، فيقولُ في الآخرةِ ما يظنُّ أنَّه الحقُّ المبين، قد فاتَه أنَّ اللهَ تعالى هو وحدَه مَن له أن يقولَ الحقَّ في الدنيا والآخرةِ طالما كان هو مَن خلقَ كلاً منهما: (فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى) (25 النجم).
ولذلك نقرأُ في قرآنِ اللهِ العظيم ما من شأنِه أن يُبيِّنَ لنا أن ليس لنا أن نقولَ شيئاً فيما ليس لنا به علم (وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ. بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ. وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (80- 82 البقرة).
وهذا هو عينُ ما بيَّنته لنا الآيتان الكريمتان 123- 124 من سورةِ النساء (لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا. وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا). فالأمرُ ليس لنا حتى نُدخِلَ النارَ مَن نشاء ونُدخِلَ الجنةَ مَن نشاء!
فمتى سنَعي أنَّ لمعرفتِنا حدوداً لا ينبغي لنا أن نتعدَّاها، وأنَّ دُنيانا هي ما بوسعِ عقولِنا أن تقولَ فيها ما تتمنى، أما الآخرة فهي للهِ الذي له وحده أن يقولَ فيها ما يشاء.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s