في معنى قولِهِ تعالى “سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ”

ما كان اللهُ تعالى ليذرَ الإنسانَ يحتكمُ إلى عقلِه فيُحكِّمَه فيما لم يُخلَق مؤهلاً ليحكمَ فيه! صحيحٌ أنَّ الإنسانَ قد خُلِق بعقلٍ له أن يُعينَه على تدبيرِ أمورِ دنياه، غيرَ أنَّ هذا لا يلزمُ عنه على الإطلاق ما يُوجِبُ أن يكونَ بمقدورِ عقلِه هذا أن يُعينَ المحتكمَ إليه ليحكمَ في أمورِ أُخراه.
ولقد أوقعَ عجزُ الإنسانِ عن إدراكِ وتبيُّنِ هذا الفارقِ بين العقلِ إذ يُحَكَّمُ في “أمورِ الدنيا”، والعقلُ إذ يُحتكَمُ إليه في “أمورِ الآخرة”، في جمهرةٍ من الأخطاءِ الجسيمةِ الفادحة التي يتعذَّرُ على أذكى العقولِ أمرُ تبيُّنِها وإحصائِها. ومن ذلك ما بوسعِنا أن نتبيَّنَه بتدبُّرِ بعضاً مما عادَ على الإنسانِ من وبيلِ الشرورِ وسوءِ العاقبةِ والمنقلَب هذا الإصرارُ من جانبِه على تحكيمِ عقلِه فيما لم يُخلَق ليُحسِنَ التعاملَ معه:
1- (وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ) (136 الأنعام).
2- (وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ. يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُون) (58- 59 النحل).
3- (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ) (4 العنكبوت).
4- (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُون) (21 الجاثية).
فاللهُ تعالى قد أبانَ لنا في قرآنِه العظيم عن أنَّ الحكمَ له وحدَه، وذلك طالما كان هو أعلمُ من الإنسانِ بأمورِه في دنياه وآخرته. فاللهُ تعالى لم يُجِز الإنسانَ بأن يُعمِلَ عقلَه فيما لم يُخلَق ليُحسِنَ التعاملَ معه. وهذا ما بوسعِنا أن نتبيَّنه بتدبُّرِ ما جاءتنا به سورةُ الممتحنة في الآية الكريمة 10 منها (ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيم).
فاللهُ تعالى قد بيَّنَ لنا في قرآنِه العظيم عن “حُكمِه” الذي لو أنَّنا أنفقنا ما في الأرضِ جميعاً ما تمكنَّا من أن نتبيَّنَ “حكمَه” هذا كما بيَّنه هو لنا. ولذلك كان في الحكمِ بما حكمَ به اللهُ تعالى، فيما لا قدرةَ لعقولِنا على أن تحكمَ فيه، ما يجعلُ من المرءِ بمنأى من غضبِ اللهِ في هذه الحياةِ الدنيا ومنجى من عذابِه الأبدي في الآخرة: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) (من 44 المائدة)، (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (من 45 المائدة)، (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (من 47 المائدة).

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s