في دحضِ وتفنيدِ زعمِ القائلين إنَّ بإمكانِهم إحصاءَ وتشخيصَ ما حرَّمَ اللهُ تعالى

يأبى العقلُ إلا أن يُنغِّصَ على صاحبِه عيشَه بهذا الذي يوهِمُه به من أنَّ له أن يقولَ ما يشاء ويظنَّ ما يشاء! ومن ذلك ما ذهبَ إليه البعضُ من أنَّ الاحتكامَ إلى العقلِ، تحكيماً له فيما جاءَنا به دينُ اللهِ تعالى، كفيلٌ بجعلِنا نُعيدُ صياغةَ “قائمةِ المطالبِ الإلهية” من كلِّ فردٍ من أفرادِ الجماعةِ الإنسانية، وبما يعملُ على تشذيبِها وترشيقِها حتى تجيءَ موافقةً لما تُحبِّذُه النفسُ ويقتضيه الإصغاءُ لنزغِ الشيطانِ وإملاءِ الهوى! ولذلك ترى القومَ، أما وقد حكَّموا عقولَهم في قرآنِ اللهِ العظيم، قد انتهى بهم الأمرُ إلى صياغةٍ لـ “قائمةٍ من المطالبِ” هي غيرُ تلك التي خلقنا اللهُ تعالى لنعملَ جاهدين مخلصين على تلبيتِها وعلى الوجهِ الذي يُرضيه، والذي هو في حقيقةِ الأمرِ الضامنُ حتى لا نزيغَ عن طريقِ الحقِّ لينتهيَ بنا الأمرُ بعدها مُبعدين عن رحمةِ اللهِ تعالى في الدنيا والآخرة!
فالمُحرَّماتُ التي حرَّمها اللهُ تعالى على عبادِه، هي معدودةٌ ومحدودة عند أولئك الذين ظنوا وتوهَّموا أنَّ للعقلِ ما يقولُه بشأنِها، وأنَّ النَّصَّ القرآنيَّ الكريم لا يُطالبُنا بأن نُبالغَ في تعدادِها، وذلك طالما كانت “آياتُ المحرَّمات” بالإمكانِ إحصاؤها! ويستشهدُ هؤلاء بآياتٍ من القرآنِ العظيم للتدليلِ على صوابِ وصحةِ ما ذهبوا إليه، ومن هذه الآيات: (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وبالوالدينِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ. وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (151- 152 الأنعام)، (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا) (36 الإسراء)، (إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ) (من 115 النحل).
ولقد كان يكفي هؤلاء الذين تجاسروا على اللهِ تعالى بتحكيمِهم عقولَهم في قرآنِه العظيم أن يتدبَّروا آيةً واحدةً فحسب حتى يتبيَنَ لهم أنَّ إحصاءَ، وتشخيصَ، ما حرَّمَ اللهُ تعالى هو ليس بالأمرِ اليسيرِ الهَيِّن: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) (33 الأعراف). فكيف يكونُ من اليسيرِ أن نُحصِيَ هذا الذي جعلَه اللهُ تعالى حراماً علينا، وعرَّفَه لنا بقولِه “وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ”؟ فمنذا الذي بوسعِه أن يُحدِّدَ لنا هذا الذي يجعلُنا نُشركُ باللهِ ما لم ينزِّل به سلطاناً ونقولُ على الله ما لا نعلم؟! وما يُدرينا أن هذا أو ذاك مما نقول هو ليس مما حرَّمَ اللهُ تعالى علينا حتى يكونَ لنا أن نقطعَ ونجزمَ بأنَّ من اليسيرِ إحصاءَ ما حرَّمَ اللهُ تعالى علينا؟!

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s