الإنسانُ كائنٌ فضائيٌّ أرضيُّ المنشأ!

يُحدِّدُ لنا عقلُنا حدودَ آفاقِ معرفتِنا بأنفسِنا وبالعالَم من حَولنا. ولذلك كانت معرفةُ الإنسانِ بنفسِه وبالعالَمِ من حوله محدَّدةً بهذه الحدود التي حتَّمت عليه وجوبَ أن تكونَ “الحقيقةُ” التي سيضعُ يدَه عليها لا تطابقَ هنالك بينها وبين حقائقِ الأمور! ويستوي في ذلك هؤلاء الذين أحسنوا الظنَّ بأنفسِهم فتوهَّموا أنَّهم على شيء وأنَّهم بذلك أقربُ خَلقِ اللهِ إلى الله، وأولئك الذين بالغوا في تقديرِ عقولِهم وتعظيمِها حتى خُيِّلَ إليهم أنَّهم أعرفُ الخَلقِ بالخَلق!
ولقد كشفَ عجزُ هؤلاءِ وأولئك عن التعامُلِ المعرفي الصائب مع الإنسانِ كظاهرة عن افتقارِ كلا الفريقَين إلى ما يجعلُ منه أهلاً لأن يُحتكمَ إليه ويُستعانَ به مرجعاً يُعينُ المتحيِّرَ في “الظاهرةِ الإنسانية” على أن يتبيَّنَ حقيقةَ الإنسانِ، وبما يجعلُه قادراً على أن يُعلِّلَ لهذا الذي هو عليه من “فَرادةٍ” و”استثنائية” أعجزت كلا الفريقَين عن التعليلِ لهما! فالإنسانُ ظاهرةٌ لا يكفي لتُعلِّلَ لها أن تقولَ فيها ما يقولُه العلمُ في غيرِها من ظواهرِ الحياةِ وتجلياتِها! وإن أنتَ استعنتَ بما أشاعَه فينا وروَّجَ له أولئك الذين نصَّبوا من أنفسهم أوصياءَ للهِ تعالى على دينِه القويم، فلن ينتهيَ بك الأمرُ إلى أحسنِ مما سينتهي بك إن أنتَ وافقتَ “العلمَ المادي” فأقررتَ بما يقولُ به من أنَّ الإنسانَ يكفي للتعليلِ له أن نُعرِّفَه بدلالةٍ من “ماضيه التطوري”، والذي هو عندهم حيوانيٌّ بالتمامِ والكلية!
ولهؤلاءِ وأولئك أتوجَّهُ بدعوةٍ أدعوهم بها إلى تدبُّرِ ما جاءنا به القرآنُ العظيم من نبأٍ يقينٍ يفصِّلُ لنا رحلةَ تخلُّقِ الإنسان مُذ كان تراباً وحتى صيَّرته نفخةُ اللهِ تعالى فيه بقولهِ له “كن فيكون” إنساناً في أحسنِ تقويم، وحتى ردَّه أكلُ أبوَيه من الشجرةِ التي نهاهُما اللهُ عنها أسفلَ سافلين.
إنَّ القولَ بأنَّ الإنسانَ يكفي للتعليلِ له أن نقصرَ البحثَ في أصلِه على هذه الأرض التي منها خُلِق، لن يُفضِيَ بنا إلا إلى مزيدٍ من التخبُّطِ بعيداً عن الحقيقةِ التي كان يكفينا حتى نُمكَّنَ منها أن نُصدِّقَ ما جاءنا به القرآنُ العظيم من أنَّ الإنسانَ وإن كان قد خُلِقَ من ترابِ هذه الأرض، فإنَّ مكوثَه في “أرضٍ أخرى”، إلى حين، هو الذي جعلَه الإنسانَ الذي نعرف. فالإنسانُ إذاً كائنٌ “متعدِّدُ الأصولِ” فلا يكفي لتعريفِه أن نقصُرَ “أصلَه” على ترابِ هذه الأرضِ التي منها خلقَه اللهُ تعالى، وذلك طالما كان ما حدثَ لأبوَيه في الجنةِ هو الذي جعلَه كائناً فريداً استثنائياً لا تطابقَ بالتمامِ والكلية بينه وبين أيِّ كائنٍ من كائناتِ هذه الأرض التي تشاركه الأصلَ الترابي الذي منه خُلِق كما خُلِقوا منه هم أيضاً.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s