من أجلِ ذلك كتبَ اللهُ علينا الصيام

يبرعُ الإنسانُ في ابتداعِ ما يظنُّ أنَّه كافٍ من العِلَلِ والأسباب التي فُرِضَت العباداتُ بمقتضاها! ولو أنَّ الإنسانَ قصَرَ استعانتَه بعقلِه على ما يُمكِّنُه من أن يُتقِنَ هذه العبادات، عِوَضَ الانشغالِ بالبحثِ عن الأسبابِ والغايات التي من أجلِها فُرِضت علينا هذه العبادات، لأصبحَ من عبادِ الله المُكرَمين الذين وصفَهم القرآنُ العظيم بأنَّهم أكرمُ العبادِ عند الله! فالعقلُ لم يُخلَق مؤهَّلاً للبحثِ في الأسبابِ والغايات، ولكنه خُلِقَ ليُعينَ صاحبَه على أداءِ هذه العبادات وعلى الوجهِ الذي يُرضي اللهَ تعالى. ولذلك كان العملُ الصالح هو ما يُرضي اللهَ عنا وليس ما نظن أنَّه كافٍ حتى يرضى اللهُ عنا! ولذلك نقرأ في القرآنِ العظيم (رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ) (من 19 النمل).
فالأمرُ ليس لنا حتى نُعلِّلَ لهذه العبادةِ أو تلك بهذا السببِ أو ذاك، فنقولَ مثلاً إنَّ اللهَ تعالى فرضَ علينا الصيامَ وذلك حتى نستشعرَ ما يُعانيه الفقراء، أو حتى يُمكِّنَنا من التحكُّمِ في شهواتِنا وغرائزِنا، أو لغيرِ ذلك من الأسباب! فيكفينا أن نلزمَ ما علَّلَ اللهُ تعالى به لأمرِه لنا بالصيام حتى تتبيَّنَ لنا العلةُ من وراء الصيام (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (183 البقرة). فتدبُّرُ هذه الآيةِ الكريمة يُبيِّنُ لنا أنَّ اللهَ تعالى ما كتبَ علينا الصيامَ إلا لنكونَ من “المتقين” الذين يكفيهم هذا التعليلُ الإلهي دون تنطُّعٍ ولا تعسُّفٍ في ابتداعِ الأسبابِ والعِلَل.
فإذا كانت تقوى الله هي ما سنحظى به جراءَ صيامِنا، فإنَّ في ذلك ما ينبغي أن يكفينا ويُغنينا عن كلِّ محاولةٍ من جانبِنا للتسبيبِ للصيامِ بما يجعلُ من عقولِنا ترتضيه عبادةً وعملاً صالحاً.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s