لماذا أمَرَنا اللهُ تعالى بأن ننبذَ مبدأ “المعاملة بالمِثل”؟

أمرنا اللهُ تعالى في قرآنِه العظيم بأن نصفحَ الصفحَ الجميل (فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ) (من 85 الحجر).
و”الصفحُ الجميل” هو الإكثارُ من الصفحِ، والذي هو الإعراضُ عن الردِّ بالمثل على مَن أساءَ إلينا. فالإنسانُ جُبِلَ على أن يُسارعَ إلى الردِّ على الإساءةِ بالإساءة عملاً بما يُسمى بمبدأ “المعاملة بالمثل”! وهذا الذي يجعلُ من الإنسانِ يُسارعُ إلى تغليبِ هذا المبدأ في التعاملِ مع الآخرين هو بعضٌ مما تعيَّنَ علينا أن نُعانِيَه جراء ما جرَّه علينا أكلُ أبوَينا من الشجرةِ التي نهاهما اللهُ عنها. فالإنسانُ فينا يأبى إلا أن ينتصرَ لما يظنُّ أنَّه الحقُّ الذي هو عنده كلُّ ما يتفقُ ويتماشى مع ما تأمرُه به نفسُه ويُزيِّنُه له هواه!
ولقد أمرَنا اللهُ تعالى في قرآنِه العظيم بألا نجعلَ لغيرِ ما أمرَنا به دينُه الحنيفُ القويم سلطاناً على قلوبِنا يضطرُّها إلى ما لا يُرضيه عنا بهذا الذي يجعلنا انتصارُنا لما تأمرُ به النفسُ ويزيِّنُه الهوى نسارعُ إلى القيامِ به من قبيحِ القَولِ وقبيحِ الفعلِ رداً على مَن أساءَ إلينا بقولٍ أو بفعل! فاللهُ تعالى أمرَنا في سورةِ النور بأن نعفوَ ونصفحَ: (وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (من 22 النور).
فإذا كانت الأنفسُ قد “أُحضِرَت الشُّح” (وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ) (من 128 النساء)، وإذا كان الإنسانُ قد جُبِلَ مسارِعاً إلى تغليبِ ظنِّه والاحتكامِ إلى ما يقولُ به عقلُه المفتونُ بنفسِه وهواه، فإنَّ السبيلَ الوحيدَ حتى يرقى الإنسانُ، فلا يعودُ بمقدور ما أُحضِرَه وجُبِلَ عليه أن يزجَّ به في غياهبِ النأي عن اللهِ تعالى، هو ما بوسعِنا أن نتبيَّنَه بتدبُّرِنا حالَ أولئك الذين امتدحهم اللهُ تعالى في قرآنِه العظيم بقولِه (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (من 134 آل عمران).
فكظمُ الغيظِ يقتضي منا أن نُخالِفَ طبيعتَنا التي بها وُلِدنا، وألا ننصاعَ لما يأمرُنا به تطبُّعُنا الذي عليه نُشِّئنا وتربَّينا! ويُعزِّزُ هذا السلوكَ انتهاجُنا سبيلَ “العافينَ عن الناس” الذين جعلَهم إيثارُهم الإحسانَ، الذي أمرَنا به اللهُ تعالى، يُعرِضون عن كلِّ ما من شأنِه أن يُعزِّزَ فيهم ما يريدُهم اللهُ تعالى أن يتحرَّروا منه ويتخلَّوا عنه من أوشابٍ وأوضارٍ وأضرار لا نجاةَ لإنسانٍ منا من عذابِ اللهِ تعالى يومَ القيامة إلا بتخلُّصِه منها في هذه الحياةِ الدنيا.
وهذا الذي تقدَّمَ بيانُه وتبيانُه من جميلِ الخِصالِ والصفات هو ما كان عليه سيدُنا محمد صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم، الذي أحسنَ الامتثالَ والانصياعَ لكلِّ ما أمرَه اللهُ تعالى به من أوامرَ أرادَه أن يسموَ بها فيعلوَ على هذا الذي جُبِلنا عليه من ضعفِ خِلقةٍ وشُحِّ نفسٍ وسوءِ ظن. فسيدُنا محمد صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم كان المبادرَ المسارِعَ إلى تقويمِ حالِه مع اللهِ تعالى وفقَ ما جاءه به القرآنُ الذي أنزلَه اللهُ على قلبِه الشريف: (فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (من 13 المائدة).
وقد يجادلُ البعضُ محاجِجاً بأنَّ اللهَ تعالى قد شرعَ لنا في قرآنِه العظيم ما يكفلُ لنا أن نردَّ على الإساءةِ بالإساءة، وعلى السيئةِ بالسيئة، (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا) (من 40 الشورى)، ولو أنَّ هؤلاء المعترضين المجادلين قرأوا نصَّ الآيةِ الكريمة مكتملاً دون تجزئةٍ أو تبعيض، لتبيَّنَ لهم أنَّ ما يحبه اللهُ تعالى هو أمرٌ يقتضي منهم خِلافَ ما يظنون (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِين) (40 الشورى).
يتبيَّنُ لنا، وبتدبُّرِ ما تقدَّم، أنَّ اللهَ تعالى قد أمرَنا بأن ننبذَ مبدأ “المعاملةِ بالمثل”، وذلك لما في العملِ بهذا المبدأ من تعزيزٍ وتكريسٍ لكلِّ ما هو سيءٌ في جِبلتِنا التي ما جاءنا دينُ اللهِ تعالى إلا ليُعينَنا على تزكيتِها وتطهيرِها والارتقاءِ بها عَوداً إلى ما كانت عليه يومَ خُلِقَ آدمُ إنساناً في أحسنِ تقويم.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s