في معنى قَولِهِ تعالى “أَيَحْسَبُ أَن لَّمْ يَرَهُ أَحَدٌ”

الإنسانُ أسيرُ حواسِّه، وعقلُه محجوبٌ بما تُمِدُّه به هذه الحواس من ضئيلِ علمٍ بنفسِه وبالعالمِ الذي قُدِّرَ له أن يتواجدَ فيه مفردةً من مفرداتِه أبت نفسُه هذه إلا أن تُهمِّشَها استعلاءً وتعالياً عليها! فالإنسانُ يحسبُ أنَّه حُرٌّ طليق، قادرٌ مريد، فعالٌ لما يُريد! وحُسنُ ظنِّ الإنسانِ بنفسِه هذا قد جرَّ عليه ما جرَّ من ولوغٍ في الظنونِ والأوهام جعلَه عاجزاً عن أن ينظرَ إلى الحقيقةِ فيراها! وأنَّى للإنسانِ أن يرى الحقيقةَ ونفسُه تحولُ بينه وبينها؟!
ولقد عادَ على الإنسانِ هذا العجزُ من جانبِه عن تنحيةِ نفسِه جانباً بما جعلَه يبالغُ في تقديرِ قدراتِه حدَّ الظنِّ الواهمِ بأنَّ له أن يقولَ ما يشاء ويفعلَ ما يشاء! ولذلك نقرأُ في سورةِ البلد ما حفظتهُ لنا الآيةُ الكريمة 6 منها (يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا). فالإنسانُ يقولُ ما يقول ويفعلُ ما يفعل وكلُّه ثقةٌ بأنَّه إن هو أحسنَ توريةَ وإخفاءَ شأنِه وأمرِه عن أسماعِ وأبصارِ المتربصين به من بَني جلدتِه، فإنَّ له أن يُفلِتَ بما طالته يداهُ من مُحرَّمِ المكسبِ ومأثومِ المغنمِ! وهذا ظنُّ كلِّ مَن كان “محجوباً بحِسِّه مفتوناً بنفسِه” متَّبِعاً هواه متعبِّداً لعقلِه!
ولو أنَّ الإنسانَ أنصتَ وأصغى لما جاءه به من عندِ اللهِ قرآنُ الله لتبيَّنَ له هذا الذي هو عليه من خطأٍ عظيم وذنبٍ جسيم! فاللهُ تعالى ما كان ليخلقَ الإنسانَ عبثاً حتى لا يُسلِّطَ عليه مَن يُحصي عليه حركاتِه وسكناتِه، ويُلاحقُه في حِلِّه وتِرحالِه منذ لحظةِ ولادتِه وحتى لحظةِ مماتِه! فاللهُ تعالى قد عهِدَ بالإنسانِ إلى نفرٍ من ملائكتِه الكرام سلَّطَهم عليه وأوكلَ إليهم أمرَ كتابةِ أقوالِه وأفعالِه: (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) (18 ق)، (أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُون) (80 الزخرف)، (وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ. كِرَامًا كَاتِبِينَ. يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ) (10- 12 الانفطار).
وشهادةُ هؤلاءِ “الكرام الكاتبين” ما هي إلا واحدةٌ من جمهرةٍ غفيرةٍ من الشهادات التي كفلَ اللهُ تعالى بها ألا يغيبَ من ابنِ آدم قولٌ أو فعلٌ في غياهبِ النسيان. ومن هذه الشهادات ما بوسعِنا أن نتبيَّنه بتدبُّرِ ما جاءتنا به سورةُ الجاثية في الآية الكريمة 29 منها (هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ).
ومن هذه الشهاداتِ أيضاً شهادةُ جوارحِ الإنسانِ عليه: (الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (65 يس)، (يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (24 النور)، (حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ. وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ. وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ) (20- 22 فصلت).
وشهادةُ السَّمعِ والبصَرِ، وباقي جوارحِ الإنسان، لَتُذكِّرُ بالسياقِ الكريم من سورة البلد الذي وردت فيه الآيةُ الكريمة 7 منها (أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ). فلو أنَّنا تدبَّرنا هذا السياقَ الكريم (أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ. أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ. وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ) (7- 9 البلد)، لتبيَّنَ لنا أنَّ اللهَ تعالى لم يجعل لنا أسماعَنا وأبصارَنا لنسمعَ بها ونُبصِرَ فحسب، ولكنه جعلهما “شهوداً” علينا تُوثِّقُ لكلِّ ما نسمعُ ونُبصِرُ حتى يجيءَ “يومُ الإشهاد”؛ يومَ يستشهدُ اللهُ جوارِحَنا، ومنها أسماعُنا وأبصارُنا، يومَ ينطقُ كلُّ شيءٍ بأمرِ الله الذي أنطقَ كلَّ شيء.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s