لماذا حرَّمَ اللهُ تعالى الرِّبا؟

حرَّمَ اللهُ تعالى الرِّبا على بَني آدم على مَرِّ العصورِ وكَرِّ الدهور: (فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا. وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) (160- 161 النساء).
وهذا ما بوسعِنا أن نتبيَّنَه بتدبُّرِ الآياتِ الكريمةِ التالية: (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا) (من 275 البقرة)، (يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيم) (276 البقرة)، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (278 البقرة)، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (130 آل عمران).
فلماذا حرَّمَ اللهُ تعالى الرِّبا على الإنسان؟
يُعينُ على الإجابةِ على هذا السؤال أن نستذكرَ الحقيقةَ القرآنيةَ التي مفادُها أنَّ اللهَ تعالى شرَعَ الإنفاقَ سبيلاً يُزكِّي به الإنسانُ نفسَه ويُحرِّرُها بذلك من الشُّح الذي أُحضِرته: (إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ. إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ) (36- 37 محمد)، (وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ) (من 128 النساء).
فالإنسانُ جُبِلَ على حُبِّ المال: (وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا) (20 الفجر). وعِوضَ أن يجاهدَ الإنسانُ نفسَه، ويضطرَّها إلى ما لا تحبُّ وترضى، يؤثِرُ أولئك الذين اتَّخذوا من الرِّبا ديناً لهم ومذهبا أن يبالغوا في الحِرصِ على جمعِ المالِ وتكديسِه وإن كان ذلك على حسابِ أوجاعِ وآلامِ الآخرين الذين اضطرَّتهم قواهرُ الظروفِ إلى الالتجاءِ إلى المرابي! فاللهُ تعالى يُريدُنا أن نتحرَّرَ من شديدِ تعلُّقِنا بالمال، ويريدُنا أولئك الذين غرَّتهم الحياةُ الدنيا وظنوا أنَّها كلُّ ما هنالك أن نستزيدَ من المال بأيِّ وسيلةٍ كانت!
لقد كان في أمرِ اللهِ تعالى لبَني آدمَ بأن ينبذوا الرِّبا ما هو كفيلٌ بجعلِهم يُدركون أنَّ السبيلَ الوحيدَ للفلاحِ في هذه الحياةِ الدنيا وفي الآخرة هو بأن يُناصبَ الإنسانُ نفسَه العداءَ فلا يُمكِّنُها منه ولا يجعلُ لها عليه سلطاناً مبيناً. فتحريمُ الرِّبا نتيجةٌ منطقيةٌ تلزمُ عن هذا الذي خُلِقَ الإنسانُ متصفاً به من الضعف الذي تعيَّنَ عليه أن يعانيَه جرَّاء أكلِ أبوَيه من الشجرةِ التي نهاهما اللهُ عنها. فالإنسانُ لا يحتاجُ إلى ما يُعزِّزُ عنده حرصَه على ما يضرُّهُ في دنياه وأُخراه حتى يكونَ له أن يُمارسَ الرِّبا! فالربا لن يُخلِّفَ في المرابي إلا كلَّ ما هو كفيلٌ بجعلِه يزدادُ إيغالاً في ظلماتِ الإنصياعِ لما تأمرُه به نفسُه ويُزيِّنُه له هواه من ظنٍّ واهمٍ بأن ليس هنالك إلا هذه الحياةُ الدنيا التي عليه أن يعبَّ منها عَباً طالما كان الموتُ هو خاتمةَ المطاف!
إنَّ تدبُّرَ أوامرِ اللهِ تعالى لبَني آدم، كما فصَّلتها وبيَّنتها آياتُ قرآنِه العظيم، كفيلٌ بجعلنا نتبيَّنُ أنَّ العلةَ من ورائها ذاتُ صلةٍ بـ “أصلِنا البشري” الذي لا ينبغي أن نغفلَ عن تذكُّرِه ما استطعنا! فأصلُنا البشري هذا هو الذي يقتضي منا وجوبَ أن ننصاعَ إلى أوامرِ اللهِ تعالى فنلزمَها ولا نحيدَ عنها طالما كان في ذلك ما يُعجِّلُ بجعلِنا ننأى بأنفسِنا عن المصيرِ الذي سينتهي إليه حتماً كلُّ مَن اتَّبعَ غيرَ هَدي الله واتَّخذَ إلهَه هواه.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s