“عَظَمَةُ الإنسان” بين كورونا وأوكرانيا!

انعكسَ عجزُ الإنسانِ عن تقديرِ اللهِ حقَّ قدرِه سلباً عليه، وبما حتَّم عليه وجوبَ أن يُبالغَ في تقديرِ نفسِه بغيرِ الحق، فكان أن جعلَه ذلك يُعظِّمُ نفسَه تعظيماً ليس هو أهلاً له! فالإنسانُ مفتونٌ بنفسِه، عاجزٌ عن أن يُدرِكَ أنَّه إنما ابتُلي بهذه النفس حتى يكونَ له، إن هو أبلى حسناً، أن يرقى فيسموَ السموَّ الذي خُلِقَ ليصلَ إليه “إنساناً في أحسنِ تقويم”، وإن هو أخفقَ فاستدرجته نفسُه، وأعانها على ذلك الشيطانُ والهوى، “تردَّى أسفلَ سافلين” دنيا وآخرة! ولأنَّ الإنسانَ لا يُدركُ أنَّه قد ابتُلي بنفسِه، التي هو بها مغرمٌ مفتون، فإنَّ كلَّ ما يحدثُ له لن يكونَ بمقدورِه أن يُزحزحَه عن هذا الذي هو عليه من تعبُّدٍ لها، وإلى الحدِّ الذي يجعلُه يتوهَّمُ أنَّها “نفسٌ خيِّرةٌ طيبةٌ مباركة”!
غير أنَّ اللهَ تعالى ما كان ليذرَ الإنسانَ تحلو له دُنياهُ بهذا الذي تجعلُه نفسُه يظنُّ ويتوهَّمُ بشأنِها. ولذلك فلقد كان حقيقاً على اللهِ تعالى أن “ينغِّصَ” على الإنسانِ عيشَه فيبتلِيَه بكلِّ ما من شأنِه أن يضطرَّه إلى مواجهةِ الوجهِ الحقيقي لنفسِه التي لا تنفكُّ تفاجؤه بغريبِ تجلياتِها؛ هذه التجلياتُ التي ما كان يوماً ليحسبَ أنَّه سيتبيَّنُها في نفسه!
لقد كشفت الأزمةُ الراهنةُ بين روسيا والغرب عن جوانبَ خفيةٍ من النفسِ البشريةِ التي بها ابتُليَ الإنسان! وهذا الذي تبيَّنَ لنا من تجلياتِ هذه النفسِ التي هي، وفي حقيقةِ الأمر، نفسُ كلِّ واحدٍ منا معشرَ بَني آدم، بسببٍ مما اضطرتنا إليه أحداثُ أوكرانيا، لَيُذكِّرُ بما سبقَ لنا وأن شهدناه بأُمِّ أعيُنِنا إبانَ “أزمةِ كورونا”، وذلك على قدرِ تعلُّقِ الأمر بما تجلَّى لنا من خِصالٍ وصِفات ما كنا لنحسبَ يوماً أنَّ النفسَ البشريةَ تشتملُ عليها!
إنَّ الإنسانَ هو الإنسانُ في كلِّ زمانٍ ومكان. ويُخطِيءُ كلُّ مَن يظنُّ أنَّ الأزمةَ الراهنةَ بين روسيا والغرب قد أبانت عن حقيقةِ أهلِ الغرب تمييزاً عنصرياً وتفرقةً عِرقيةً فحسب! فما كشفته لنا هذه الأزمةُ هو عينُ ما بيَّنته لنا أزمةُ كورونا التي سبقتها، والذي بالإمكانِ إيجازُه وتلخيصُه بأنَّ كلاً منا هو “إنسانُ الغربِ” الذي أساءَ إلى “إنسانِ الشرقِ” باستعلائه عليه وتعاليه ظناً منه وتوهماً بأنَّه “متفوقٌ عليه” و”أفضلُ منه”! فنحن معشرَ بني آدم، وإن تمايزنا وتناشزنا واختلفنا لوناً وعِرقاً وجنساً وثقافةً ومستوىً اجتماعياً واقتصادياً ومذهباً وتديُّناً، فإننا في حقيقةِ الأمر نفسٌ واحدة جُبِلَت على الظلمِ وأُحضِرت الشُّح وجعلَنا تواجدُها في كلٍّ منا “إنساناً ضعيفاً” لا يُحسِنُ، عند الشدائدِ وحينَ المِحن، غيرَ أن يستعليَ على مَن يتمايزون عنه لوناً وعِرقاً وتديُّناً و… إلى آخره.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s