متى سنتحرَّرُ من المقاربةِ النحوية لقرآنِ اللهِ العظيم؟

ليس للسانِ القرآنِ العظيم، العربي المبين، ما يجعلُه مُقيَّداً بما يُقيَّدُ به لسانُنا الذي اعوجَّت عربيَّتُه بتقادُمِ الأعوامِ والسنين. فالقرآنُ العظيم أنزلَه اللهُ تعالى بلسانٍ عربيٍّ مبين لا سلطةَ لمخلوقٍ عليه حتى يجيءَ موافقاً لهذه أو تلك من الأحكامِ والقواعدِ التي صاغَها النحويُّون ظناً منهم أنَّهم بذلك سيجعلون لغتَنا العربية عصيةً على اللحنِ منيعةً فلا تنالُ من فصاحتِها عادياتُ الأيام. فاللهُ تعالى هو الذي تعهَّدَ بأن يحفظَ قرآنَه بقولِه (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (9 الحجر). فلسانُ القرآنِ العظيم، العربيُّ المبين، محفوظٌ بحِفظِ اللهِ تعالى لقرآنِه العظيم، فلا مبرِّرَ هنالك إذاً للخوفِ على لسانِ قرآنِنا العربي المبين أما وقد تعهَّدَ اللهُ تعالى بحفظِه حِفظاً لن يطالَ منه قصورُنا في الذَّودِ عنه وتقاعسُنا عن التمسُّكِ به!
ولقد عادَ إصرارُنا على هذه “المقاربةِ النحوية” لقرآنِ اللهِ العظيم بما جعلَنا ننأى عنه ونبتعدُ بهذا الذي فرضناهُ عليه من قواعدَ وأحكامٍ قيَّدنا بها المعنى الذي انطوت عليه كثيرٌ من آياتِه الكريمة! كما ونجمَ عن مقاربتِنا النحويةِ هذه لقرآنِ اللهِ العظيم ما جعلنا نُخفِقُ في الوقوعِ على معنى كثيرٍ من كلماتِه الكريمة التي حمَّلناها من المعاني ما لا يستقيمُ مع ما حمَّلها اللهُ تعالى إياه، في الوقتِ الذي جرَّدناها من معناها الذي حمَّلها اللهُ تعالى إياه!
ومن ذلك الكلمةُ القرآنيةُ الكريمة “سلطان”. فهذه الكلمةُ القرآنيةُ الكريمة هي الأصلُ الذي اشتُقَّت منه كلمةُ “تسلُّط” اشتقاقاً لم نُحسِن التعاملَ معه فأفرغناه من معناه الذي اكتسبَه بفعلِ اشتقاقِه من الكلمة القرآنية “سلطان” وحمَّلناه معانيَ ما أنزِل اللهُ بها من سلطان. فالتسلُّطُ هو للهِ تعالى الذي له السلطان، وليس لمخلوقٍ أن يكونَ له ما يجعلُ منه متسلِّطاً على غيرِه من خلقِ الله! فكيف نفرغُ كلمةً مشتقةً عن أصلٍ قرآني من معناها ونسوقُها في سياقٍ دنيوي أسبغنا عليه “صبغةً سياسية”، ثم نعودُ ونقولُ أن ليس للهِ تعالى أن “يتسلَّطَ” على مخلوقاته؟ فلو أنَّنا لزمنا المعنى القرآني لكلمةِ “سلطان”، ولم نتعدَّاه وذلك بأن نقومَ بـ “تسييسه”، لما وجدنا في عبارة “تسلُّطِ اللهِ تعالى على خلقِه” ما يستفزُّنا ويجرحُ رقيقَ مشاعرِنا! فاللهُ تعالى هو المتسلِّطُ على خَلقه بهذا الذي هو عليه من حيازةٍ لكلِّ ما لا يجعلُ بمقدورِ أحدٍ منهم أن يُعجِزَ اللهَ في السماءِ أو في الأرض. فالسلطةُ المطلقةُ هي للهِ تعالى على كلِّ خَلقِه وليس لأحدٍ من خَلقِه أن يستعصيَ على سلطانِ اللهِ تعالى عليه.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s