المعراج من معجزاتِ رسولِ اللهِ صلى الله تعالى عليه وسلم

لظواهرِ الوجودِ منطِقُها الخاصُّ بها كما أنَّ لعقلِ الإنسانِ منطِقَه الخاصَّ به. ولمنطق الإنسان أن يتطابقَ مع منطقِ ظواهرِ الوجود أحياناً كما أنَّ له أن يتمايزَ عنه في أحايينَ كثيرة. ويُخطئُ الإنسانُ، جسيمَ الخطأ، إن هو ظنَّ وتوهَّم أنَّ بوسعِه أن يُقارِبَ، بمنطقِ عقلِه، ظواهرَ الوجودِ كلَّها جميعاً! فنحن ما خُلِقنا ليكونَ بمقدورِنا أن نستوعبَ، بمنطقِ عقولِنا، كلَّ ما في الوجودِ من ظواهر! وظنٌّ واهمٌ كهذا قد أوقعَ الإنسانَ في أخطاءَ جسيمة جرَّت عليه ما جرَّت من ويلاتٍ نجمَ عنها ما جعلَه يتوهَّمُ الباطلَ حقاً والحقَّ باطلاً!
وقد يُعذَرُ الإنسانُ إن هو حكَّمَ منطقَ عقلِه في الوجودِ وظواهرِه، وذلك طالما لم يكن لما سينتهي به إليه تحكيمُه هذا إلى ما هو ذو قدرةٍ على إلحاقِ الأذى الدائم به مادام الأمرُ يقتصرُ على الخوضِ فيما جُبِلَ عليه الإنسانُ من شديدِ ولعٍ بالجدالِ والمجادلة! ولكن أنَّى يُعذَرُ الإنسانُ إذا ما تجاسرَ على دينِ اللهِ تعالى بعقلِه الذي إن هو أصرَّ على تحكيمِه في معظمِ ما جاءه به هذا الدين فلن يؤولَ به الأمرُ إلا إلى الضلالِ المبين في هذه الحياةِ الدنيا والخسرانِ المبين في الآخرة. فمعظمُ ما يشتملُ عليه دينُ اللهِ تعالى من الحقائقِ لا يملكُ عقلُ الإنسانِ حيالَها غيرَ أن “يؤمنَ بها بالغيب”. فإن هو أعملَ فيها عقلَه، وحكَّمَ فيها منطِقَه، فلن يعودَ عليه ذلك إلا بكلِّ ما هو كفيلٌ بجعلِه يتَّخذُ إلهَه هواه وإن كان يظنُّ كلَّ الظنِّ أنَّه لا يعبدُ إلا الله!
ومن ذلك ما خُيِّلَ للبعضِ منا من ألا موجبَ هنالك للقولِ بأنَّ التديُّنَ الحقَّ بدينِ اللهِ تعالى يقتضي منا وجوبَ أن نُسلِّمَ بما يعجزُ العقلُ عن تقبُّلِه وذلك لفرطِ استعصائه على منطقِه الذي خُيِّل للإنسانِ أن بمقدورِه أن يُحيطَ بالحقيقةِ أنّى كان موطِنَها وإن كان ذلك هو عالَمُ الغيبِ الذي لم يُخلَق الإنسانُ ليتعاملَ بعقلِه معه إلا بما شاءَ له اللهُ تعالى أن يحظى بشيءٍ من العلمِ به بإذنِه. فهل يجوزُ لنا أن نحكمَ باستحالةِ حدوثِ حادثةٍ ما لمجرد أنَّها تتعارضُ مع المنطقِ الذي جُبِلت عليه عقولُنا، وذلك بعد هذا الذي تبيَّنَ لنا من محدِّداتٍ خُلِقَ العقلُ مُقيَّداً بها شاءَ أم أبى؟
فهل يرعوي المتجاسرون على رسولِ اللهِ بزعمِهم أنَّ المعراجَ هو ليس من معجزاتِه صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم، وذلك بحجةٍ مفادُها أنَّ في ذلك ما يتعارضُ مع ما يقضي به منطقُ عقولِنا؟! فيكفينا، نحن الذين لا نملكُ غيرَ أن ننبهرَ بما جاءنا به دينُ الله، أن نقرأَ في قرآنِ الله ما جاءتنا به سورةُ النجم من آياتٍ كريمة، إن هي لم تنصُّ صراحةً على كلمة “المعراج”، فإنَّ تفسيرَها لَيقتضي منا وجوبَ أن نقولَ بأنَّ اللهَ تعالى قد أرى رسولَه الكريم صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم من “آياتِه الكبرى” ما ليس بإمكانِ أرضِنا هذه أن تكونَ موطناً لها (ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى. وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى. ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى. فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى. فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى. مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى. أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى. وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى. عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى. عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى. إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى. مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى. لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى) (6- 18 النجم).

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s