ما أنبَأنا بهِ القرآن من عجيبِ عِباداتِ الإنسان (١): عبادةُ الجن

عبادةُ اللهِ تعالى هي فطرةُ اللهِ التي فطرَ الناسَ عليها (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُون) (30 الروم). فالإنسانُ لم يتدرَّج في التعبُّدِ من آلهةٍ متعددة إلى الإلهِ الواحد، وذلك كما يزعمُ ما يُسمَّى بـ “علم الاجتماع الديني”! فاللهُ تعالى خلقَ الإنسانَ وعلَّمَه البيان (الرَّحْمَنُ. عَلَّمَ الْقُرْآنَ. خَلَقَ الْإِنْسَانَ. عَلَّمَهُ الْبَيَانَ) (1- 4 الرحمن). وهذا البيانُ الذي علَّمَه اللهُ تعالى للإنسان هو “فِطرةُ اللهِ” التي لم يسبقها دينٌ أو تديُّن.
ولذلك كان كلُّ تديُّنٍ بغيرِ دينِ فطرةِ الله هو في حقيقةِ الأمر حيودٌ وانحرافٌ عن دينِ الله الذي علَّمَه اللهُ تعالى لأبينا آدم، والذي جدَّدَ التذكيرَ به أنبياءُ اللهِ المُرسَلون على مَرِّ التاريخ. ولقد تعدَّدت وتنوَّعت أنماطُ تديُّنِ الإنسان بغيرِ دينِ اللهِ تعالى، وإلى الحدِّ الذي أوهمَ شيوعُها وتفشِّيها بين بَني آدمَ على مرِّ الزمان الكثيرَ من مُنظِّري ما يُسمَّى بـ “علمِ الاجتماعِ الديني” بأنَّ الإنسانَ لم يكن يعبدُ إلهاً واحداً بادئَ الأمر، وأنَّ عبادةَ هذا الإلهِ الواحدِ جاءت متأخرةً كثيراً عن البداياتِ التي شهدت تنوُّعاً في أنماطِ التديُّنِ ليس باليسيرِ إحصاءُ تجلِّياتِها!
ومن أنماطِ التديُّن بغيرِ دينِ اللهِ تعالى هذه، عبادةُ الجِن التي أنبأنا اللهُ تعالى بشأنِها بقولِه: (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ. قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ) (40- 41 سبأ). فمن الجِنِّ مَن هُم قبيلُ الشيطان الذي أجازَه اللهُ تعالى بأن يشُنَّ، هو وقبيلُه، حرباً ضروساً شعواء على بَني آدمَ حتى يميزَ اللهُ تعالى خبيثَهم من طيِّبِهم، وطالِحَهم من صالحِهم (قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا. قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا. وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَولَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا) (62- 64 الإسراء).
ولقد أشاعَ “عبادةَ الجن” في الناسِ، وروَّجَ لها، هذا الذي كان بمقدورِ الجِنِّ القيامُ به من عجيبِ الأمورِ وغريبِها. فالجِنُّ خَلقٌ متمايزٌ عن البشر بهذا الذي يجعلُ بمقدورِهم أن يأتوا بخوارقَ للعاداتِ أوهمت وأضلَّت كثيراً من الناس من الذين حسِبوها دليلاً وبرهاناً على أنَّ الجنَّ الذين يتعبدُّونَ لهم هم آلهةٌ حقاً! ولقد فاتَ هؤلاءِ الذين حادوا وانحرفوا عن صراطِ اللهِ المستقيم أنَّ اللهَ الذي أمرَهم أبوهم آدمُ، والأنبياءُ من بعده، بأن يُخلِصوا تعبُّدَهم له وحدَه لا شريكَ له ما كان ليأمرَهم بالسوءِ والفحشاء، وأنَّ مَن يأمرُهم بذلك لا يمكنُ إلا أن يكونَ الشيطانُ وقبيلُه من الشياطين الذي حذَّرهم أبوهم آدمُ، والأنبياءُ من ذريته، من مغبَّةِ الاستماعِ لما يأمرُهم به هو وقبيلُه من الشياطين (وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ. قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ. فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ) (28- 30 الأعراف).

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s