في معنى قَولِهِ تعالى “أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ”

الإنسانُ مُعرِضٌ، بِطبعِه وتطبُّعِه، عن تدبُّرِ ما بثَّهُ اللهُ تعالى في السماواتِ والأرضِ من الآياتِ التي كفلَ لكلِّ مَن يتدبَّرُها أن يكونَ بمقدورِه أن يستدلَّ بها على أنَّ اللهَ تعالى إلهٌ واحدٌ لا إلهَ إلا هو، فأبى أكثرُ بَني آدمَ إلا أن يكونَ حظَّ هذه الآياتِ منهم هو النأيُ والصُّدودُ عنها: (وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ) (105 يوسف)، (وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُون) (32 الأنبياء).
ولقد شذَّ عن هذا الإجماعِ على الإعراضِ عن آياتِ اللهِ في السماواتِ والأرض نفرٌ من بَني آدمَ اختصَّهم اللهُ تعالى بما جعلَ منهم “يتفكَّرونَ في خلقِ السماواتِ والأرض” فينتهي بهم تفكُّرُهم هذا إلى ما أوجزَته لنا سورةُ آل عمران بهذه الكلماتِ القرآنيةِ الجليلة: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ. الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ) (190- 192 آل عمران).
ولقد بيَّنَ لنا اللهُ تعالى في قرآنِه العظيم حالَ أولئك الذين نأوا بأنفسِهم عن أن يرَوا إلى ما بثَّهُ اللهُ تعالى في السماءِ والأرضِ من الآياتِ التي قال بشأنِها: (أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ) (9 سبأ).
وآياتُ اللهِ تعالى، التي بثَّها في السماءِ والأرض، منها ما هو “ظاهرٌ جَلي”، ومنها ما هو “باطنٌ خَفي”؛ فما تجلَّى من هذه الآياتِ هو “ما بينَ أيدي الناسِ” منها، وما استخفى من هذه الآياتِ، فلم يكُن بمقدورِ العينِ البشريةِ أن تُبصِرَه، فهو “ما خلفَ الناسِ” من هذه الآيات (أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ).

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s