في معنى قولِهِ تعالى “قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ”

اختصَّ اللهُ تعالى نفسَه بالعلمِ بالغيبِ فلم يجعل لأحدٍ من خَلقِه أن يُحيطَ بشيءٍ منه (وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) (من 123 يونس)، (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ) (من 59 الأنعام).
غيرَ أنَّ اللهَ تعالى يُطلِعُ مَن يشاءُ من عبادِه على ما يشاءُ من عِلمه. وهذا هو ما بوسعِنا أن نتبيَّنَه بتدبُّرِ ما جاءتنا به الآيةُ الكريمة 255 من سورةِ البقرة (وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاء). فلا سبيلَ إذاً لأحدٍ من خلقِ اللهِ تعالى لأن “يطَّلِعَ الغيبَ” إلا بما يشاءُ الله. ومن ذلك ما بوسعِنا أن نتبيَّنَه بتدبُّرِ الآيةِ الكريمة 49 من سورة هود (تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا). وكلمةُ “هذا” هنا يُشيرُ بها اللهُ تعالى إلى قرآنِه العظيم؛ هذا القرآنُ الذي لولاه ما كان لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم أن يعلمَ “مما غيَّبَه اللهُ تعالى” شيئاً. ولذلك أمرَ اللهُ تعالى رسولَه الكريم صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم بأن يقولَ للناسِ (وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ) (من 188 الأعراف).
وانتفاءُ المقدرةِ على العلمِ بالغيب يستوي فيها الخلقُ كلُّهم جميعاً. فالملائكةُ لم يكن بمقدورِهم أن يُجيبوا اللهَ تعالى على سؤالِه لهم بأن يُنبِؤهُ باسمِ آدمَ وزوجِه (وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ. قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) (31- 32 البقرة).
والجنُّ كذلك هم عاجزون عن “اطِّلاعِ الغيب”. ولقد تبيَّنَ عجزُ الجنِّ هذا عن معرفةِ الغيبِ بهذا الذي بوسعِنا أن نتبيَّنَه بتدبُّرِ ما جاءتنا به سورةُ سبأ في الآيةِ الكريمة 14 منها (فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ).
إنَّ الغيبَ هو كلُّ ما غيَّبَه اللهُ تعالى عن خَلقِه فلم يُمكِّنهم من الإحاطةِ به. وللهِ تعالى أن يجعلَ ما يشاءُ غيباً وإن كان هو مفردةً من مفرداتِ عالَم الشهادة. فاللهُ تعالى قادرٌ على أن يحولَ دون أن يكونَ بمقدورِ أحدٍ أن يعلمَ ما حجبَه عن أبصارِ الخَلقِ كلِّهم جميعاً، وذلك بأن يُلقِي عليه ما يجعلُ منه من مفرداتِ عالَمِ الغيب.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s