في معنى قَولِ اللهِ تعالى “رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ”

عرَّفَ سيدُنا موسى وسيدُنا هارون اللهَ تعالى بقولِهما الذي حفظته لنا الآيةُ الكريمة 50 من سورة طه (رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى).
ويُقدِّمُ هذا التعريفُ التصورَ الأمثلَ لعلاقةِ اللهِ تعالى بالوجودِ وما فيه. فاللهُ تعالى لا يكفي للتعريفِ به أن يُقالَ بأنَّه “الإلهُ الذي خلقَ كلَّ شيء” وحسب. فهذا القولُ هو ما قالَه قدامى فلاسفةِ الإغريق الذين ظنُّوا أنَّ الإلهَ، بتعاليهِ على الوجود، لا ينبغي أن تكونَ له أيُّ علاقةٍ بما في الوجود بعدَ إتمامِ عمليةِ الخلق! فأيُّ علاقةٍ من جانبِ هذا الإلهِ بما خلق هي، في نظر هؤلاءِ الفلاسفة “تنتقصُ من ألوهيته التي لا ينبغي أن تحفلَ بمن هو ناقصٌ مفتقِرٌ إلى الكمال”!
ولقد جاءَ دينُ اللهِ تعالى بتعريفٍ للهِ، الذي خلقَ كلَّ شيء، يتبيَّنُ لكلِّ مَن يتدبَّرُه أنَّ اللهَ هو “الإلهُ الحَق” الذي لم يكتفِ بخَلقِ ما في الوجودِ وحسب، ولكنه بقِيَ يمُدُّ خلقَه بكلِّ ما يكفلُ لهم البقاءَ حتى أجلٍ مسمى سبقَ له وأن قدَّره في سابقِ علمِه. فاللهُ تعالى، وكما عرَّفَته الآيةُ الكريمة بأنه “الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى”، إن كان قد أعطى الشيءَ كينونتَه التي بها يكون، فإنَّه قد أسبغَ عليه أيضاً ما يُبقي عليه فلا يزولُ حتى يبلغَ الأجلَ الذي أجَّلَ له.
فاللهُ تعالى هو ليس الإلهَ الذي تصوَّر قدامى فلاسفةُ الإغريق أنَّه “الإلهُ الحق”؛ هذا الإلهُ الذي صاغته عقولُهم وفقاً لما تقضي به أحكامُ المنطقِ وقواعدُه، والتي هي أحكامٌ وقواعدُ لا ينبغي لها أن تضطرَّ عقولَنا إلى وجوبِ تقبُّلِ ما تقضي به طالما كان اللهُ أكبرَ من منطِقِنا البشري الذي نُخطِئُ إن نحن توهَّمنا أنَّ بوسعِه أن يقدِرَ اللهَ حقَّ قدرِه فيعرفَه حقَّ المعرفةِ ليقولَ فيه ما يشاء! فاللهُ تعالى هو الذي عرَّفَ لنا نفسَه بنفسِه. وكلُّ تعريفٍ للهِ تعالى من جانبِنا لابد وأن ينتهيَ بنا إلى ما سبقَ وأن انتهى إليه قدامى فلاسفةِ الإغريق من تعريفٍ لـ “الإلهِ الحق” هو الباطلُ بعينِه!

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s