في معنى الآيةِ الكريمة “وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا”

أنبأنا القرآنُ العظيم بأنَّ كلاً من سيدِنا آدم وسيدِنا عيسى قد خُلِق خَلقاً استثنائياً فريداً، وذلك بأن قالَ اللهُ تعالى له “كُن فيكون”. فسيدُنا آدم خلقَه اللهُ تعالى بأن قالَ له “كُن فيكون” (إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ. فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِين) (71- 72 ص)، ولولا نفخةُ “كن فيكون” هذه ما كان له عليه السلام أن يرى النور. ولذلك فإنَّ العلمَ البشري لا يمكنُ له أن يُعلِّلَ لظهورِ الإنسان طالما كان تعليلُه يقتصرُ على الأخذِ بالأسبابِ دون أن يأخذَ بنظرِ الاعتبارِ “علةَ كن فيكون” التي لولاها ما كان لبشرٍ أن يكون. فهذه العلةُ هي التي صارَ سيدُنا آدمُ بمقتضاها بشراً، ولولاها لظلَّ طيناً ليس إلا.
وسيدُنا عيسى ما كان له أن يكونَ لولا “نفخةُ كُن فيكون” (وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ) (91 الأنبياء)، (قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُون) (47 آل عمران). فهذه النفخةُ هي التي جعلته عليه السلام يرى النور بشراً هو أقربُ البشرِ إلى أبينا آدم كمالاً خَلقياً وخلواً بالمطلقِ من كلِّ شائبةٍ تعيَّنَ على الإنسانِ أن يُبتلى بها من بعدِ أكلِ أبوَيه من الشجرةِ التي نهاهما اللهُ تعالى عنها (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُون) (59 آل عمران).
ولذلك قالَ سيدُنا عيسى عليه السلام وهو بعدُ طفلٌ تحملُه أمُّه: (وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا) (32 مريم). فالإنسانُ منا خُلِقَ ضعيفاً عاجزاً عن ألا يصدرَ عنه ما يسوءُ الآخرين من قولٍ أو فعل. ولذلك تعيَّن علينا أن نعبدَ اللهَ تعالى، فنأتمرَ بما أمرَنا به وننتهيَ عما عنه نهانا، حتى يكونَ لنا ألا يصدرَ عنا ما يسوءُ الآخرين قولاً أو فعلاً. ولذلك أيضاً كانت العبادةُ هي الوسيلةَ الوحيدةَ حتى يتأتَّى للإنسانِ أن يُحكِمَ سيطرتَه على نفسِه فلا يجعلَ لها ما يُمكِّنُها من أن تنفردَ بلسانِه أو بيدِه فتُسيءَ بأيٍّ منهما إلى الآخرين.
فسيدُنا عيسى عليه السلام قد “جعلَه” اللهُ تعالى، بـ “خِلقةِ كُن فيكون” التي خُلقَ بها، بَراً بوالدتِه فلم يكن جباراً شقياً. أما نحن، عامةُ البشر، فيقتضي منا الأمرُ أن نعبدَ اللهَ تعالى العبادةَ التي إن نحن أتقنَّاها على وجهِها الذي يرضى به اللهُ عنا، كان لنا أن نكُفَّ ألستنا وأيدينا عن الآخرين فلا يطالُهم منا سوءٌ ولا ضرر!

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s