أتحكيمٌ هو للعقلِ حقاً أم احتكامٌ إلى النفسِ والهوى؟

يجادلُ “العقلانيون” في العقلِ فيُبالِغون في تقديرِه ظناً منهم وتوهماً بأنَّ في ذلك ما يكفلُ لنا الوصولَ إلى الحقيقة! ولقد حذا كثيرٌ من الذين لم يتديَّنوا التديُّنَ الحق بِدينِ الله الحق حَذوَ هؤلاء العقلانيين فبالغوا بدورِهم في تقديرِ العقلِ وتعظيمِه وتبجيلِه وتفخيمِه، وذلك بحجةٍ مفادُها “أنَّ اللهَ تعالى قد كرَّمَ الإنسانَ بهذا العقل”! ولذلك ترى كلا الفريقَين يتنافسانِ فيما بينهما أيُّهما هو الأكثرُ تعظيماً للعقل وإجلالاً له! ولقد فاتَ كلا هذين الفريقَين الحقيقةُ التي مفادُها أنَّ العقلَ لا يصلحُ أن يُحتكَمَ إليه، وذلك طالما كان كلا الفريقَين يظنُّ أنَّه على الحق، وأنَّ العقلَ يؤيِّدُ ظنَّه هذا!
فكيف يكونُ العقلُ يؤيِّدُ كلا الطرفَين وهما لا يقولان الشيءَ عينَه؟! فلو كان العقلُ هو حقاً ما ينبغي أن نحتكمَ إليه للفصلِ بين فريقَينِ يعارضُ أحدُهما الآخر، فكيفَ يتأتى لنا ذلك وكلا الفريقَينِ لا يقولان الشيءَ ذاته؟! إنَّ تحكيمَ العقلِ هو في حقيقتِه احتكامٌ إلى النفسِ، وتغليبٌ للهوى، ليس إلا. فالإنسانُ لم يكرِّمهُ اللهُ تعالى بالعقلِ، وذلك كما يزعمُ أولئك الذين ما تديَّنوا التديُّنَ الحق بدِين اللهِ الحق، حتى يكونَ لنا أن نحتكمَ إليه للفصلِ بين فريقَين يُعارضُ أحدُهما الآخر! فالإنسانُ ابتُلِيَ بالنفسِ ولم يُكرَّم بالعقلِ تكريماً يُخيَّلُ لمَن لم يتديَّن التديُّنَ الحق بدِينِ اللهِ الحق أن بمقدورِه أن يحتكمَ إليه ليُعينَه على دحضِ وتفنيدِ ما يقولُ به “خصومُ الدين”!
إنَّ “تحكيمَ العقل” ما هو في حقيقتِه إلا احتكامٌ إلى النفسِ والهوى! فالمجادلةُ بين أيِّ عقلَين يُعارضُ أحدُهما الآخر هي، في حقيقتِها، تصارعٌ بين نفسَين تريدُ كلُّ واحدةٍ أن تفرضَ على الأخرى هيمنتَها وسيطرتَها حتى لا يكونَ خاتمةَ المطافِ إلا ما ترى. وهذا هو عينُ ما نجدُه واضحاً جَلياً في قرآنِ اللهِ العظيم الذي حفظَ لنا ما قاله فرعونُ الطاغية لقومِه وهو يدعوهم إلى الإعراضِ عما جاءهم به سيدُنا موسى (قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ) (من 29 غافر).
إنَّ القولَ الفصلَ في مسألةِ “تحكيمِ العقلِ” ينبغي أن يأخذَ بنظرِ الاعتبار هذا الذي جُبِلَ عليه الإنسانُ من خضوعٍ وإذعان لما تأمرُ به النفسُ ويُزيِّنُه الهوى! وكثيرٌ مما نظنُّ ونتوهَّمُ أنَّه مما يقتضيه “تحكيمُ العقلِ” إنما هو في حقيقتِه احتكامٌ إلى النفسِ والهوى! فالإنسانُ خُلِقَ بنفسٍ أبيةٍ حَرون كلُّ ما تسعى إليه وتصبو هو إحكامُ تحكُّمِها بكلِّ نفسٍ أخرى غيرِها! وما العقلُ إلا ذريعةٌ يُسوِّغُ بها الإنسانُ لمسعى نفسِه هذا وذلك ليتحكَّمَ بِغيرِه!

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s