“يومُ القيامة” بين العلمِ والدين

لا يكفُّ أولئك الذين انبهروا بالعلمِ عن مواصلةِ الزعمِ بأنَّ العلمَ لا يُعارضُ القرآنَ وبأنَّه لا يملكُ إلا أن يتَّفقَ مع كلِّ ما جاء فيه! وزعمٌ كهذا لا يمكنُ أن يتَّفقَ مع رسالةِ القرآنِ العظيم التي لا يملكُ العلمُ حيالَها إلا أن يُعرِضَ بنفسِه عنها وينأى! فالعلمُ قد حدَّدَ آفاقَه، وأوصدَ بابَ التفكُّرِ فيما يتعارضُ مع فرضياتِه ونظرياتِه، فلم يعُد بمقدورِه بعدها أن يكونَ “متسامحاً” مع ما يتعارضُ معها!
وفي هذا المنشور سوف أتطرقُ إلى واحدةٍ من المسائلِ التي يختلفُ بشأنِها العلمُ والقرآن؛ ألا وهي “يومُ القيامة”! فيومُ القيامة، وفقاً لما عرَّفَنا به قرآنُ اللهِ العظيم، لا يمكنُ للعلمِ أن يقبلَ به طالما كان في هذا ما يتعارضُ مع ما بين يدَيه من نظرياتٍ وقوانين هي عنده من المُسلَّماتِ التي ينبغي أن يُعرِضَ عن كلِّ ما لا يتَّفِقُ معها. فيومُ القيامة يُمثِّلُ كلَّ ما لا يملكُ العلمُ أن يقولَ بشأنِه إلا بأنَّه “امرٌ يستحيلُ حدوثُه”! فيومُ القيامةِ يتعارضُ مع ما خُيِّلَ للعلمِ أنَّها ثوابتٌ كونية لا قدرةَ للمادةِ على أن تتصرَّفَ بما يتعارضُ معها!
هذا من ناحية، ومن ناحيةٍ أخرى فإذا كانت “نهايةُ الحياةِ” على الأرض هي واحدةٌ من مفرداتِ يومِ القيامة، فإنَّ هذه النهايةَ، وكما قالَ القرآنُ العظيم بشأنِها، ستجيءُ “بغتةً” وبصورةٍ مفاجئة. فالعلمُ قد حدَّد سيناريوهاتٍ لـ “يومِ قيامةٍ علمي” هو الذي تنتهي الحياةُ على الأرضِ بمجيئه! وهذه السيناريوهات لا يمكن أن تتفقَ مع ما جاءنا به القرآنُ العظيم بشأنِ يوم القيامة، وذلك لأنَّها كلَّها جميعاً تشتركُ في كونِها لا تجيءُ بغتةً وبصورةٍ مفاجئة! هذا ناهيك عن أنَّ هذه السيناريوهات كلَّها جميعاً تقتضي وجوبَ ألا يكونَ هنالك “قوانينُ أخرى” تحدثُ أحداثُ “يومِ القيامة القرآني” بمقتضاها غيرَ تلك التي تتوافقُ مع نظرياتِ العلمِ وقوانينِه!
إنَّ متدبِّرَ القرآنِ العظيم لن يتعذَّرَ عليه أن يتبيَّنَ ما وردَ فيه من تشديدٍ على أنَّ يومَ القيامة لن يأتيَ إلا بغتة. وبوسعِنا أن نتبيَّنَ ذلك بتدبُّرِنا الآياتِ الكريمةِ التالية:
1- (قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ) (31 الأنعام).
2- (يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) (187 الأعراف).
3- (أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ) (107 يوسف).
4- (بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمْ يُنْظَرُون) (40 الأنبياء).
5- (وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ) (55 الحج).
6- (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُون) (66 الزخرف).
7- (فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ ) (18 محمد).

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s