مَن هُم الذين وصفَهم اللهُ تعالى في قرآنِهِ العظيم بأنَّهم “الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ”

يظنُّ كثيرٌ منا أنَّ من اليسيرِ أن يكونَ المرءُ من “الذين آمنوا وعملوا الصالحات”! وهذا ظنٌّ ما أشاعَه فينا ولا روَّجَ له إلا تلك المقاربةُ لدينِ اللهِ التي أخفقت في تبيُّنِ مرادِ اللهِ من عبادتِنا له. فهذه المقاربةُ لم يتمكَّن أصحابُها من الوقوعِ على “الشرط الرئيس” الذي لن يتحقَّقَ “الإيمانُ باللهِ والعملُ الصالح” إلا من بعد تحقيقه! ويقومُ هذا الشرطُ على أساسٍ من إيقانِ العبدِ بأنَّ الإيمانَ باللهِ حقَّ الإيمان يقتضي منه وجوبَ أن يُدرِكَ أنَّه قد ابتُلِيَ بنفسٍ لن ترضى لغيرِها أن تكونَ له السلطةُ عليه! ولذلك كان الإيمانُ واجبَ الاقترانِ بكلِّ ما من شأنِه أن يُمكِّنَ العبدَ من إحكامِ إمساكِه بزمامِ نفسِه حتى لا يعودَ بمقدورِها أن تتحكَّم فيه فتقعُدَ به عن القيامِ بما يوجِبُه عليه إيمانُه باللهِ تعالى من التزامٍ بالضوابطِ والمُحدِّداتِ التي فرضها اللهُ تعالى عليه. ومن هنا كان “العملُ الصالح” هو جِماعُ كلِّ هذا الذي بمقدورِه أن يُحصِّنَ إيمانَ العبدِ باللهِ تعالى فلا يجعلَ بمقدور نفسِه أن تحولَ دونَ توطُّنِه في قلبِه.
ولقد جعلَ اللهُ تعالى من “الهجرةِ إليه” أعظمَ تحدٍّ يتعيَّنُ على العبدِ أن يواجِهَه في رحلتِه على الطريق إليه. فالهجرةُ إلى الله تقتضي من العبد أن يهجرَ كلَّ ما جُبِلت عليه الأنفسُ وأُحضِرَت من الخِصالِ والصفاتِ التي لن يُفلِحَ الإيمانُ في “الدخولِ في القلب” إلا من بعدِ أن تُجتَثَّ من جذورِها فلا يبقى منها شيءٌ يُخالِطُه ويمازِجُه. ولذلك كانت الهجرةُ إلى الله تعالى عملاً شاقاً على النفسِ عسيراً عليها. كيف لا، وهذه الهجرةُ تقتضي من النفسِ أن تُسلِمَ قيادَها لصاحبِها يتحكُّمُ فيها دون أن تتحكَّمَ هي فيه؟!
ولذلك كان أجرُ “المهاجرين إلى اللهِ تعالى” عظيماً. فالأجرُ، كما يُقال، هو على قدرِ المشقة. وأيُّ مشقةٍ هي أعظمُ من أن يواظبَ العبدُ على الصبرِ والتوكُّلِ على الله؟ فالصبرُ لا تقوى النفسُ عليه ولا تستسيغُه أبداً، والصابرُ يُقسِرُ نفسَه على الصبرِ فيضطرُّها إليه اضطراراً لا يعينُه عليه إلا توكُّلُه على اللهِ تعالى؛ هذا التوكُّلُ الذي لا قدرةَ للنفسِ على تقبُّلِه والرضا به طالما كان هو يُطالبُها بما لم تُجبَل على بذلِهِ وإنفاقِه من حسنِ ظنٍّ باللهِ يضطرُّها إلى الرضوخِ والإذعانِ، وهي التي وقرَ لديها أن ليس لأحدٍ أن يكونَ له عليها تسلُّطٌ أو سلطان!
إنَّ تدبُّرَ ما تقدَّم كفيلٌ بأن يُعينَنا على تدبُّرِ هذا الذي جاءنا به قرآنُ اللهِ العظيم من جَليِّ تِبيانٍ للعلاقةِ القائمةِ بين الإيمانِ بالله والعملِ الصالح من جهة، وبين الصبرِ والتوكُّلِ على اللهِ من جهةٍ أخرى (وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ. الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) (41- 42 النحل) (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ. الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) (58- 59 العنكبوت).

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s