ما يقولُه القرآن في عِلَّةِ طُغيانِ الإنسان

ما الذي جعلَ الإنسانَ كائناً طاغية؟
الطغيانُ صفةٌ ملازمةٌ للإنسان بها تميَّزَ عن النباتِ والحيوان. فكلُّ ما على الأرض، خلا الجانِّ والإنسان، مجبولٌ على إطاعةِ الرحمن وعلى الالتزامِ بحدودِه دون زيادةٍ أو نقصان. فالطغيانُ هو حالُ كلِّ مَن آثرَ أن يتَّبعَ هواه وألا يُطيعَ الله. ولقد نجمَ عن طغيانِ الإنسان ما جعلَ منه كائناً لا قدرةَ له على العيشِ دون أن يظلمَ نفسَه وكلَّ مَن قُدِّرَ له أن يتقاطعَ طريقُه مع طريقِه إذا ما “استشعرَ” منه إرادةً تخالفُ إرادتَه!
وطغيانُ الإنسانِ دليلٌ على بطلانِ ما يقولُ به العلمُ من أنَّ “الإنسانَ كائنٌ طبيعي”! فكيفَ يكونُ الإنسانُ إذاً “كائناً طبيعياً” وهو لا يتعاملُ مع الطبيعةِ إلا وفقَ ما يُمليه عليه انصياعُه لما تدعوه إليه نفسُه ويُزيِّنُه له هواه؟ فطغيانُ الإنسانِ إذاً يدلُّ على أنَّ في الأمرِ “شيئاً” يقتضي منا وجوبَ ألا نُصغيَ إلى العلمِ وهو يُقدِّمُ لنا روايتَه بشأنِ نشأةِ الإنسان؛ هذه النشأةُ التي يحاولُ العلمُ جاهداً أن يُقنِعَنا بأن ليس فيها ما يدعو إلى الاستعانةِ بغيرِ ما جاءنا به من فرضياتٍ ونظريات حتى يتسنى لنا أن نتبيَّنَ الكيفيةَ التي صارَ بموجبِها الإنسانُ إنساناً!
والآن، أما وقد تبيَّنَ لنا أنَّ طغيانَ الإنسانِ يُوجبُ علينا ألا نُشاركَ العلمَ ظنونَه وأوهامَه بشأنِ أصلِ الإنسان، فإن المنطقَ لَيدعونا إلى ضرورةِ الأخذِ بما جاءنا به دينُ اللهِ تعالى، وبما يقولُه القرآنُ بهذا الشأن. فالإنسانُ، ومن بعدِ أكلِ أبوَيه من الشجرةِ التي نهاهما اللهُ عنها، أصبح مُلزَماً بأن يختارَ بين طريقَين لا ثالثَ لهما؛ فإما أن يختارَ اتِّباعَ هَدي الله، فتُكتَبَ له بذلك النجاةُ في الدنيا والآخرة، وإما أن يختارَ الإعراضَ عن هُدى الله فيستحقَّ بذلك أن يُشقِيَه الله في الدنيا والآخرة (فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ. وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (من 38- 39 البقرة).
فطغيانُ الإنسانِ إذاً ناجمٌ عن اتِّباعِه هواه وإيثارِه دُنياهُ على أُخراه (فَأَمَّا مَنْ طَغَى. وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا. فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى) (37- 39 النازعات). غيرَ أنَّ الطغيان، وإن كان يُلازمُ الإنسان في كلِّ وقتٍ وأوان، فإن بمقدورِ الإنسان أن يتمرَّدَ على ما جُبلَ عليه من طغيان وذلك بأن يتَّبع ما جاء به دينُ الله تعالى من هَديٍ قويم يكفلُ له اتِّباعُه أن يتحرَّرَ من هذا الطغيان فيصبحَ بذلك من الفائزين في الدنيا والآخرة، وذلك شريطةَ الالتزامِ بما فصَّلته لنا الآيتان الكريمتان 40- 41 النازعات (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى. فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى).

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s